دعوة لرص الصفوف في العالم

الإفتتاحية

ما حدث من هجمات إرهابية قميئة مطلع العام الجاري ومنذ ساعاته الأولى، سواء في تركيا أو البحرين والعراق، يعكس لدرجة معينة الوجه الآخر للحروب التي يتوجب على العالم الاستعداد لها والتعامل معها، والتي تختلف كلياً عن الحروب النمطية المعتادة، وهي ما يتعارف عليه بحروب “الجيل الرابع″، وهذا النوع من الحروب وفق التعريفات الشائعة عنه يعني ” على الحرب التي يكون أطراف الحرب فيها جيش نظامي لدولة ما مقابل لا دولة أو عدو أو خلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم .
على غرار أي آفة تعامل معها العالم عبر التاريخ، كانت تقتضي تحليلها ودراستها ومعرفة مسبباتها والعمل على الوصول إلى الحل الناجع له، أياً كانت تلك الآفة أو الوباء الذي يتم التعامل معه ومواجهته، والإرهاب نموذج لجميع تلك الآفات التي يعاني منها العالم وتهدده في كل مكان، فهو خطر داهم يمكن أن يضرب في كل مكان يجد إليه سبيلاً، وباتت الخطورة تكمن في القدرة على تجنيد كل فكر ضعيف أو منحرف أو يحمل بذور التطرف جراء الجهل أو الفقر أو لأي سبب آخر، عبر استخدام التنظيمات والجماعات الإرهابية للثورة التكنولوجية والاتصالات، وهو ما أنتج ظاهرة جديدة تُعرف بـ”الذئاب المنفردة”، والتي يتم من خلالها تجنيد الأشخاص الذين لديهم الاستعداد للانجراف وراء أوهام وأفكار ضالة فيتحولون إلى قتلة ومجرمين إرهابيين يلحقون الأذى عبر اعتداءات آثمة تستهدف الأبرياء، وقد تابع العالم في أكثر من مكان ما يمكن أن يقدم عليه أمثال هذه الزمر التي ارتهنت للشيطان وسلكت طريق الشر وباتت آلات قتل متربصة بانتظار الفرصة المناسبة.
العالم أجمع يعي جيداً أن الإرهاب ليس حكراً بأشخاص من دين معين أو عرق أو لون أو جنس ما، ولكنه بالمقابل لا يستثني أي شريحة كانت، فكل من يختلف مع حملة هذا “العفن” في تلك العقول الآثمة، هو هدف مباح لها، ومن هنا لا بديل للعالم اليوم أن يرص صفوفه في حرب عالمية بكل معنى الكلمة تستهدف الإرهاب وتعرية كل المتعاملين معه أو من يعتنقون أفكاره وقناعاته الضالة، ولابد من حرب واسعة فكرية وثقافية وعسكرية، تستهدف إزالة هذا الوباء واجتثاثه من جذوره وتجفيف منابعه كافة، ليصار إلى غد آمن لجميع شعوب العالم، وهذا يحتاج توافقات تامة وإنشاء قاعدة بيانات كبرى بين الأجهزة المعنية في جميع الدول وبرعاية أممية تكتسب قوة الإلزام، لأن هذا الوباء المستشري لا يمكن لأي دولة بمفردها أن تتكفل به مهما بلغت من القوة، بل يبقى رهناً بتعاون دولي يصل إلى كنس هذا البلاء والقضاء عليه، وهو يستوجب خططاً قصيرة وطويلة، يكون عمادها العلم والثقافة والتنوير والتعريف بصحيح الأديان التي تنبذ العنف وتحرم استباحة دماء الآخرين تحت أي سبب كان، وتدعو إلى التسامح والانفتاح، وحرباً مفتوحة تستهدف مواقع التنظيمات والجماعات الإرهابية حيث توجد كما هو الحال في سوريا والعراق.
بقدر ما هي مأساوية ومحزنة تلك المجازر المرتكبة من قبل الإرهابيين، بقدر ما يجب أن تكون داعماً قوياً لتوحيد الصفوف الدولية والعمل بيد واحدة لمواجهتها، وذلك منعاً لتكرارها وليصار إلى تخليص البشرية برمتها من هذه الآفة وحملة أفكارها البالية من الضالين الذين باتوا مغيبين عن كل ما يمت إلى الإنسانية بصلة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.