الصورة الكاملة

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

روت أسطورة صينية قديمة قصة تستحق التوقف طويلاً، جاء فيها: “في إحدى الغابات النائية عاش شيخ مع ابنه وجَوَاد لهما، وفي يوم من الأيام أصبح الشيخ ليجد جواده قد فرَّ واختفى بين الأحراش؛ فأقبل جيران الشيخ يعزونه في نكبته؛ فأذهلهم موقف الرجل الذي لم يبد عليه شيء من التأثر، وبادرهم قائلاً: من قال أنها نكبة؟ فانصرف القوم مندهشين.. وبعد أيام عاد الجواد برفقة خيول كثيرة؛ فأقبل القوم ثانية يباركون للشيخ حظه السعيد؛ فطالعهم وقد عَلَت وجهه ابتسامة الواعي بتصاريف القدر وقال: ما أدراكم أنه حظ سعيد؟ فانصرف الجيران واجمين.. ولم تمض أيام حتى سقط ابن الشيخ من جواد بري كان يحاول ترويضه؛ فكُسرت ساقه، فرجع الناس ثالثة يُبدون حزنهم لما أصاب الابن من سوء، فاستقبلهم الرجل هادئاً وقال: لم تظنون أنّ ضراً قد أصابه؟ فانصرف الناس صامتين.. ومضت أيام وإذا بالحرب تدق طبولها، ويُستدعى لها الشباب من كل القرى، وإذا بابن الشيخ يُعفى من خوض الحرب لعرج خلّفه كسر ساقه..”
وأظن أن الأسطورة لو استمرت على ذلك لرأينا عجباً من تصاريف القدر، ومن الناس قِصر النظر، ومن حكمة الشيخ التي تفرز الأحداث، وتسلم بأن قدر الله لا يأتي إلا بخير. إنها الحكمة التي اهتدى لها الشيخ أو أنها قد أُهديت له، وقد عجنه الدهر بخطوبه؛ فصاغ منه جداراً واقياً أمام المواقف والأحداث. إنك لا تجد عناء في اكتشاف سلامة هذا الشيخ من استشعار القلق على الغيب؛ وكأنه قد أدرك أن القلق يبدد القدرة على التركيز ويشتت الفكر، كما أنه قد وطّدَ نفسه على مواجهة كل الاحتمالات، وأعد نفسه لتحمل أية نتائج يسوقها القدر، لقد نفذ ببصيرته إلى صميم الواقع، ووَطّنَ نفسه لمخبوء الغيب.
إن الحكمة التي اكتسبها الشيخ في الأسطورة، تكمن فيما أظن في قدرة الإنسان على تمثل الماضي، وفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، وذلك في كلٍ متكاملٍ، وبإدراك عين ترى الأشياء في جملتها، تتأمل الأمس، وتمعن فيه النظر؛ لتجمع أشتات الاعتبارات، وتؤلف مختلف النظرات، وتحلل بغربال العلم والتجربة؛ لتكتنه بذلك الغيب في عملية دؤبة لا تهدأ حتى تكتمل الوجوه، وتنجلي الحقيقة ناصعة، وحينها يُصنع الحكيم، وتصهر قريحته، وتصفو نفسه، ويتسع أفقه.
إن كثيراً منا يرى الأحداث تتعاقب عليه ليل نهار، وحلقات القدر تتسلسل واحدة تلو الأخرى، ولا يدرك حكمتها وتتابعها، ولكن من أهدي الحكمة يقف راسخاً ليرى الصورة كاملة؛ فيجمع تلك الحلقات ليصوغ منها سلسلة يزدان بها صدر البشرية. وهؤلاء قِلَّةٌ بين البشر.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.