مايكل ويْس

الاستخبارات العسكرية الروسية ذراع بوتين في الحرب

الرئيسية مقالات

لطالما اعتبرت الاستخبارات العسكرية الخارجية الروسية، “جي آر يو” GRU، بديلاً عن جهاز كي جي بي (وكالة أمن الدولة السوفياتية). كادت تلك الهيئة تندثر مع أفول الاتحاد السوفياتي، ولكنها اليوم صارت رأس الحربة في المواجهة بين موسكو وواشنطن.
وتسديد عميل لجهاز الاستخبارات الخارجية التابعة لستالين ضربة فأس على رأس ليون تروتسكي، مؤسس الاستخبارات العسكرية السوفياتية، في المكسيك، كان مرآة التنافس العميق بين أجهزة التجسس الروسية المختلفة. ومذ ذاك، في التاريخ الطويل والمظلم للأجهزة السوفياتية والروسية، خبا ضوء الاستخبارات العسكرية الخارجية، أو GRU، ولمع نجم أجهزة أكثر قوة مثل كي جي بي التي عرفت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي باسم «أف أس بي» “وكالة أمن الدولة الفيديرالية” وSVR “وكالة الاستخبارات الخارجية”.
ولكن الخميس الماضي، سلطت الأضواء على «الاستخبارات العسكرية الخارجية الروسية»، حين فرضت إدارة أوباما عقوبات على أربعة من كبار ضباطها لدورهم في اختراق البريد الإلكتروني الخاص باللجنة الوطنية الديموقراطية وبريد مدير حملة هيلاري كلينتون، جون بوديستا. وفرضت كذلك عقوبات مؤسساتية على وكالة التجسس كلها، جنباً إلى جنب مع «أف أس بي».
وتضاءلت أهمية الاستخبارات العسكرية الروسية، إلى حد كبير، بعد الحرب الباردة. وقبل ثلاث سنوات، بدا أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. فالجهاز هذا نزل به الوهن بعد 2008. وحينها، انتقد عميل الـ «كي جي بي» السابق، فلاديمير بوتين، أداءه خلال غزو جورجيا. ويعزو آخرون الوهن هذا إلى مجموعة من «الإصلاحات» التي قلصت موظفي الجهاز ألف موظف، وأعادت تقسيم الوكالة إلى 5 أقسام بدلاً من 8. وفي وقت زادت موازنات أجهزة التجسس الأخرى، خفضت موازناته إلى أكثر من نصف ما كانت عليه. ولكن الأحوال سرعان ما تغيرت. واليوم، يرى بوتين أن الجهاز هذا أحرز نصراً لا غبار عليه: السيطرة على شبه جزيرة القرم في 2014، وضمها إلى روسيا. وعلى خلاف الأجهزة الأخرى، تولى الجهاز مقاليد حرب روسيا القذرة في أوكرانيا. وصار «السلاح السري» الأثير على قلب بوتين، على قول مارك غاليوتي، المتخصص في شؤون أجهزة الأمن الروسية. فهو قام بمسح شامل للمنطقة، وراقب القوات الأوكرانية المرابطة هناك، وتنصت على اتصالاتهم.
والرجال الخضر الصغار الذين شنوا عملية القرم وحاولوا تكرار الإنجاز في دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا، كانوا ضباطاً من القوات الخاصة في الاستخبارات العسكرية الروسية ممن يملكون خبرة كبيرة حصلوها في أفغانستان والشيشان والبلقان. ومن الأدلة الدامغة على دورهم، العثور في القرم على بندقية فينتوريز التي تستخدمها القوات الخاصة في هذا الجهاز. وفرضت العقوبات على إيغور ستريلكوف، القائد السابق لـ»الجمهورية دونيتسك الشعبية»، وأدرج على القائمة السوداء للاتحاد الأوروبي باعتباره عميلاً في الاستخبارات العسكرية الروسية.
وفي مايو 2015، قبضت السلطات الأوكرانية على اثنين من قوات الكوماندوس الحربية التابعة للاستخبارات العسكرية، هما يفغيني يروفييف وألكسندر ألكسندروف، وجرت مبادلتهما بناديا سافتشينكو، ربانة الطائرة الأوكرانيّة التي قبض عليها على الأراضي الأوكرانية وخضعت لمحاكمة صورية في روسيا. وصارت الربانة هذه رمز النضال، ونائبة منتخبة في البرلمان الأوكراني. ولا شك في أن مبادلة أسيرة حرب غير معلنة بجاسوسين هو خطوة بوتينية موفقة.
وتجدر الإشارة إلى أن رئيس الاستخبارات الروسي الوحيد الذي فرضت وزارة المالية الأميركية عقوبات عليه جراء غزو أوكرانيا كان اللواء إيغور سيرغون، مدير الاستخبارات العسكرية الروسية. وتوفي سيرغون العام الماضي، كما يبدو بسبب قصور في القلب (على رغم تردد إشاعات في كل من أوكرانيا وروسيا بأنه صفي بسبب إدارته السيئة «للانفصاليين» في دونباس)، ووجد خلفه، إيغور كوروبوف، نفسه اليوم وثلاثة من نوابه على لائحة عقوبات مماثلة، جزاء التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
وثبت أن المسؤول عن الأعمال العدائية المستمرة في أوروبا هي جهة واحدة، الاستخبارات العسكرية الروسية. فقبل أسبوعين، وجدت شركة المعلومات كراودسترايك، أن الجهاز الروسي هذا ركز حربه الإلكترونية على أرض المعركة الأوكرانية من طريق زرع فيروس على تطبيق هاتفي ابتكره الضابط الأوكراني، ياروسلاف شيرستيوك، لإرشاد طواقم المدفعية على الأهداف، ووزع في المنتديات العسكرية من صيف 2014 إلى 2016. والفيروس هذا يتسلل إلى التطبيق، ويدعى «إكس-إيجينت»، وهو مرتبط بـ «فانسي بير»، فريق إلكتروني في GRU تبين أنه المسؤول عن خرق لجنة الحزب الديموقراطي ورسائل جون بوديستا. ولذا، في وسع الاستخبارات العسكرية الروسية مراقبة مواقع الجنود الأوكرانيين، وجميع رسائلهم القصيرة، وسجلات المكالمات، وقوائم الاتصال، وبيانات الإنترنت. وحجم العدوى غير معروف، ولكن يبدو أنها أصابت، بحسب مبرمج التطبيق، حوالى 9000 مستخدم، وجميعهم يستخدمون مدفعية D-30 “الدعامة الأساسية للمدفعية الأوكرانية”.
والسابقة الأوكرانية تدعو إلى التساؤل: هل كانت السرعة التي سيطرت فيها القوات الموالية للأسد على شرق حلب، ناجمة عن تخريبات إلكترونية. قبل التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، في سبتمبر 2015، دارت تقارير على تعامل ضباط من الاستخبارات العسكرية الروسية مع النظام السوري. وتعرض عميل سابق في الجهاز هذا لإطلاق نار في الوجه أثناء «قضاء عطلته» في منطقة الحرب.
ومنذ بداية حرب بوتين الثانية، صارت مهمات الاستخبارات العسكرية الروسية أكثر علانية. وأبرز الخسائر الروسية في سورية هو فيودور جورافليوف، الذي قتل أثناء أدائه لمهامه في نوفمبر 2015. والعدد الحقيقي لعملاء الجهاز في سورية غير معروف، وهو يقدر بالمئات. ولكن سلاح بوتين السري ذاع صيته، ولم يعد سراً. ذي دايلي بيست» الأميركي


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.