المناخ مستقبل الكوكب

الرئيسية مقالات
روبيرت صامويلسون خاص بالوطن نقلا

 

لم يكن الطريق لإنجاز اتفاق مناخي سهلاً، ولم يكن إقناع الدول الصناعية الكبرى معبداً بالتفاهمات السريعة، لكن الجميع يعي جيداً أن غياب الاتفاق قد يكون له تداعيات على مستقبل الكرة الأرضية برمتها، ومن هنا توج اتفاق باريس المساعي بعد سنين طويلة من المفاوضات والتفاهمات والجهود، ولم ينغص ذلك التوافق ويعتبر ضربة موجعة إلا الموقف الأمريكي برئاسة دونالد ترامب الذي أعلن انسحابه.
ففيما يتعلق بتغير المناخ، اتخذ المؤتمر الدولي للمناخ الذي عُقد في باريس بعض الخطوات الهامة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري. حيث ألزم ما يقرب من مائتي دولة بالحد من انبعاثات الغازات الضارة. كما تم التأكيد على الهدف العالمي للحد من ارتفاع درجات الحرارة وخفض درجات الحرارة العالمية إلى درجتين مئويتين “3.6 درجة فهرنهايت”، لتعود درجات الحرارة العالمية إلى ما كانت عليه في عصور ما قبل الصناعة. المشكلة هي أن كل محاولاتنا وتدابيرنا لإنقاذ كوكبنا من الاحتباس الحراري قد لا تكفي لهذه المهمة الصعبة.
ما يحاول العالم فعله الآن هو استبدال اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود وتقليل نسبة احتياجانا له لأربعة أخماس ما نحتاجه من الطاقة. بالتأكيد سيستغرق تحقيق هذا التحول عقودا من الزمان، أربعة أو خمسة عقود على الأقل. إلا أن هذه المهمة الكبيرة قد تتجاوز قدرة الإنسان.
المعضلة أن بدون الطاقة سينهار الاقتصاد العالمي مما يهدد بحدوث فوضى اقتصادية واجتماعية. لكن عواقب تغير المناخ، على افتراض إجماع علمي دقيق، هي أيضا قاتمة. حيث سيرتفع منسوب مياه البحر مما يهدد المدن الساحلية مع حدوث جفاف شديد في بعض المناطق وهو ما يهدد أيضًا بنقص الإمدادات الغذائية.
يمكننا أن نقسم المشكلة إلى قسمين، الجزء الأول: أن العامل الأساسي في ظاهرة الاحتباس الحراري هو الإنسان، وأنا أؤيد الرأي العلمي السائد المفسر لهذا الأمر، ذلك لأنني لست مؤهلا من الناحية الفنية لمعارضته. لكن تساورني بعض الشكوك، أهمها يدور حول فاعلية تطوير مجال تكنولوجيا الطاقة في الحد من ارتفاع درجات الحرارة. هل حينها سينتهي إدمان العالم على استخدام الوقود الأحفوري بعد إيجاد مصادر بديلة للطاقة؟
أكدت باريس هذا الرأي. فبدلا من إظهار مدى التقدم الذي حققناه، وضح مؤتمر المناخ بعض التقديرات الصادرة من شركة اي اتش اس الاستشارية: في عام 2012 تولد من العالم 45 بليون طن من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بزيادة 50 في المائة عن عام 1990. بدون التدابير الجديدة التي حث عليها المؤتمر، فإن تلك النسب سترتفع إلى 60 بليون طن بحلول عام 2030. لكن هل التعهدات التي شهدها مؤتمر المناخ في باريس بخفض الانبعاثات الضارة ستقلل من النسب المتوقعة لعام 2030 إلى 50 بليون طن. للأسف لا.
للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري وخفض درجات الحرارة العالمية إلى 2 درجة مئوية يتطلب الأمر خفض الانبعاثات الضارة في عام 2030 إلى 35 بليون طن، بحسب تقديرات اي اتش اس. لذلك حتى مع تعهدات مؤتمر المناخ، فنحن نزيد عن تلك النسبة بنحو 40 في المائة. علاوة على ذلك، تعتقد اي اتش اس أننا لن نستطيع تحقيق بعض التدابير المتفق عليها حيث أنها تعتمد على تكنولوجيات غير مؤكدة، ولا توجد آليات فعالة لتنفيذها.
الحقيقة أن مجال الطاقة المتجددة شهد توسعًا سريعًا في الولايات المتحدة، ومن المتوقع في العامين المقبلين أن تتضاعف الصناعة الأمريكية للطاقة الشمسية. ففي عام 2014 ازدادت نسبة توليد الكهرباء باستخدام الرياح عن عام 2011 لتصل إلى 51 في المائة وفقا للتقارير الحكومية. علاوة على ذلك، يقال أن تكاليف استخدام الطاقات المتجددة قد انخفضت بشكل حاد، وهو ما ظهر في انخفاض تكاليف صناعة طاقة الرياح إلى 60 في المائة على مدى السنوات الأربع الماضية. كما تفيد التقارير أن صناعة الطاقة الشمسية هي الأخرى قد انخفضت تكاليفها إلى 70 في المائة منذ عام 2009.
لكن هذه الإنجازات تحتاج لبعض التأهيل. حيث أن نمو مصادر الطاقة المتجددة السريع يأتي على نطاق صغير. نتيجة لذلك، زودت طاقة الرياح 4.4 في المائة فقط من كهرباء الولايات المتحدة ، وكانت نسبة مساهمة الطاقة الشمسية في كهرباء الولايات المتحدة أصغر من ذلك، حيث وصلت لحوالي 1 في المائة. كما أن الأهداف الموضوعة لعام 2020 هي زيادة تلك النسبة إلى 3.5 في المائة. على نطاق أوسع نجد أن النسب العالمية لاستغلال الطاقات المتجددة أقل من ذلك. فمجلة الإيكونوميست قدرت نسبة مصادر الطاقة المتجددة من الإنتاج العالمي للطاقة بواحد في المائة. حقيقة دعم طاقة الرياح والطاقة الشمسية بشكل كبير في الولايات المتحدة من خلال الإعفاءات الضريبية، تشير إلى أن خفض التكاليف على استخدام هذه الطاقات المتجددة لم يجعلها بعد ذات قوة تنافسية مع مصادر الطاقة الأخرى.
الجزء الثاني هو الفيزياء: يتم توليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية فقط عندما تشرق الشمس أو تهب الرياح. لذا فنحن بحاجة إلى إمدادات احتياطية من الطاقة. لم يكن هذا الأمر (حتى الآن) مشكلة كبيرة في الولايات المتحدة، لأن لدينا العديد من محطات الطاقة، التي يتم تغذيتها عادة عن طريق الفحم والغاز الطبيعي، وهو ما يوفر لنا طاقة احتياطية. إلا أن البلدان النامية تواجه أزمة أخرى. فهي تسعى للحد من الفقر لذا تحتاج إلى المزيد من الطاقة بكميات كبيرة، وكما يقول روبرت برايس خبير الطاقة في معهد مانهاتن، أن تلك الدول تفضل الفحم.
فعلى الرغم من الجهود العالمية للحد من مشكلة المناخ، إلا أننا لم نعترف بالصعوبات التي نواجها أمام تلك الأزمة كما أننا لا نعلم التوقيت الفعلي الذي سنتخلص فيه من هذا الخطر الداهم. فنحن نخترع أوهام لتهدئة الأمور وتبسيطها، أكبرها كانت فكرة أن العالم يمكنه الاستغناء التام عن الوقود الأحفوري عن طريق استبدال مصادر الطاقة المتجددة. لأن إمكانياتنا ليست كبيرة بما فيه الكفاية.
كما أن الخيارات الفعلية المتاحة أمامنا صعبة. فعلى سبيل المثال، يقول برايس أن مجرد التوسع في الطاقة النووية يمكنه أن يحل محل استخدامنا للكميات الكبيرة من الوقود الأحفوري. لكن زيادة الاعتماد على الطاقة النووية يؤدي إلى مخاطر أكبر كالتخلص من النفايات النووية بطرق آمنة والحوادث التشغيلية أو التعرض للإرهاب.
ما يدعو للتفاؤل أن التقدم التكنولوجي بإمكانه تغيير الأمر برمته. فنحن نحتاج إلى طاقة نووية أرخص وأكثر أمنًا وبطاريات أفضل لتخزين الطاقة، بجانب زيادة الاعتماد على طاقة الرياح والطاقة الشمسية عن طريق توسيع نطاق استعمالاتها.
لقد ظللنا نبحث لعقود عن حلول لمشكلة المناخ. إلا أننا مازلنا بحاجة لمواصلة البحث، فمن دون تحقيق خطوات متقدمة وفعالة، لن نتمكن من تنظيم درجة الحرارة في العالم، وسيصبح الأمر بمثابة مهمة مستحيلة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.