قطرة الندى

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

 

 

جاء في مقال للمخرج العالمي “ساتيا جيت راي” نُشر في صحيفة بريطانية بمناسبة ذكرى الشاعر الهندي “طاغور”، إشارة إلى الواقعة المؤثرة التي حدثت له وهو طفل في الثامنة من عمره، فقال: “إنه نشأ في البلدة نفسها من بلاد البنجال التي نشأ فيها “طاغور”، وكانت أم “راي” تزور “طاغور” فكان يسألها عن تعليم ابنها وتطوره العقلي. وفي يوم من الأيام جاءته الأم ومعها ابنها، وطلبت إلى “طاغور” أن يدعو لابنها ويباركه، فقام “طاغور” وأحضر قلماً وورقة وكتب عليها مقطوعة شعرية قصيرة من تأليفه، وطواها وأعطاها للأم قائلاً: “احتفظي بهذه القصيدة القصيرة لابنك حتى يكبر. إنه لن يفهمها الآن، ولكنه سيفهمها بكل تأكيد عندما يكبر”. وكانت القطعة التي كتبها طاغور: “لقد أنفقت ثروة طائلة في السفر إلى شواطئ بعيدة، فرأيت جبالاً شاهقة ومحيطات لا يحدها حد. ولكني لم أجد متسعاً من الوقت لأن أخطو خطوات قليلة خارج منزلي، لأنظر إلى قطرة واحدة من الندى، على ورقة واحدة من أوراق العشب”.
وعلى عكس ذلك ماعُرف عن حياة نجيب محفوظ؛ فالرجل الذي عاش حتى بلغ الخامسة والتسعين وأنتج كل هذه الروايات التي حازت إعجاب الكثيرين وجلبت له جائزة نوبل، كان كارهاً للترحال بدرجة تلفت النظر. كان ملتصقاً التصاقاً عجيباً بمدينته وحيّه والمقهى الذي يجلس فيه كل يوم، ويرفض رفضاً باتاً أية فرصة تتاح له للسفر لرؤية بلد جديد، وتجربة أي نمط مختلف للحياة؛ فقد كان يرى السعادة في كل شيء حوله.
إن تأملاً عميقاً فيما سبق يكشف عن معاناة بعضنا بحثاً عن جديد أو ممتع أو ما يظن فيه تحقيق هدف أو بلوغ غاية، وهؤلاء ينفقون العمر فيما لا طائل منه، وإني لأعلم منهم من يبحث عن السعادة بعيداً وهو لا يدري أنها تكمن حوله وبين يديه. وترى هؤلاء الذين يبحثون بعيداً فتحسبهم من أهل السرور وأنصار الصفاء، يغريك بذلك ثغر ضحوك، وارتفاع صوت في المحافل. وسرعان ما تراهم وقد انسدلت على وجوههم سحائب من الحزن لا تترك لناظر فيه أن يتبين علامة من علائم النشاط والأمل. يعملون جهدهم على صد غارات الحزن المتتابعة على نفوسهم كما تتلاحق الأمواج المرهوبة على جرف حطيم، وحينئذ يعمدون إلى البعد عن الناس. حتى لا يشذ لباسهم الأسود من الأسى عن سرابيل الآخرين النضرة من السرور. إن قطرة الندى على أوراق عشب المقربين منك تبصر فيها الصدق والإخلاص والرحمة والوفاء، وغيرها مما يكتب في سفر الحياة الواسع المزين برسوم الحق المبين.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.