التهديد النووي يضع العالم على حافة الهاوية

الرئيسية مقالات
ديفيد أغناطيوس خاص بالوطن

يشكل تهديد كوريا الشمالية النووي خطرًا كبيرًا بالنسبة للولايات المتحدة والصين وللنظام الدولي الجديد الذي تريده الدولتان، وإذا تمكنت واشنطن وبكين من التعاون معا لحل الأزمة مع الزعيم الكوري بيونج يانج فسيكونان بذلك قد ابتدأتا عهدا جديدا تلعب فيه الصين دورا أكبر في الشئون العالمية بما يتناسب مع قوتها الاقتصادية، وإذا لم تستطع القوى العظمى التعاون معا فلن يتمكن العالم من إيقاف الصراع العسكري الكارثي في شبه الجزيرة الكورية.
إن أسلوب الرئيس ترامب، حتى في تعامله مع المسائل التافهة بالسياسة الداخلية، يشوش على الطريقة التي يحاول بها دمج السياسة الأمريكية والصينية تجاه كوريا الشمالية. لكنه نجح بشكل مدهش في معظم الأحيان. حيث يُذكر أن بكين وواشنطن اتفقتا على التصويت بالموافقة في مجلس الأمن الدولي عندما تم الإجماع في نهاية الأسبوع الماضي لصالح فرض عقوبات إضافية على بيونج يانج لمعاقبته على تجاربه الصاروخية المستمرة.
هدف واشنطن الدبلوماسي، على الرغم من عدم إعلانه على الملأ ??بهذه الطريقة، هو تشجيع الصين على التدخل بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وتنظيم مفاوضات من أجل نزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية. لكن الأمر الذي يهدد أمريكا هو أنه إذا لم تساعد الصين الولايات المتحدة على إيجاد مثل هذه التسوية الدبلوماسية فإن أمريكا سوف تسعى إلى حلها بالطرق العسكرية إذا لزم الأمر.
التهديد الأمريكي بالتدخل العسكري قد يكون مجرد خدعة، ولكن مع ترامب فالأمر قد يكون جدي بشكل كبير. أما بالنسبة لكبار المسئولين الأمريكيين فهم يرون أن الحرب ضد كوريا الشمالية يمكن أن تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح ونتائج ما بعد الصراع ستكون أسوأ بالنسبة لجميع الأطراف. لكن عندما يقول مستشار الأمن القومي أن كوريا الشمالية المسلحة نوويا “لا تطاق” بالنسبة لترامب، ينبغي على المرء إذًا أن يفترض بأن ذلك يعني تفكيره بالحرب حقًا وأنه قد يكون بالفعل قد أعد قائمة بالخيارات العسكرية التي يمكن أن يستعين بها.
إلا أن الموقف قد تصعد الآن بعدما صرح وزير الخارجية لكوريا الشمالية ري يونغ يوم الاثنين ردا على تصويت الأمم المتحدة والنداءات الأميركية أنهم “لن يتفاوضوا تحت أي ظرف من الظروف حول مسألة الصواريخ”. فهل يقوم بخداع الجميع هو أيضًا؟ مجددًا نحن لا نعرف. لكن بعض الدبلوماسيين يرون بأن ري دائمًا ما يتحدث بغموض حول فكرة المحادثات وهناك العديد من المحللين الذين يعتقدون أن كوريا الشمالية تتعمد امتلاك الصواريخ النووية لضرب الولايات المتحدة كشكل من أشكال الحماية الذاتية.
كما كشفا تقريران استقصائيان يوم الثلاثاء عن مدى تفاقم الأزمة. حيث ذكرت جريدة “واشنطن بوست” أن وكالة الاستخبارات توصلت في أواخر الشهر الماضي إلى أن كوريا الشمالية تطور من تكنولوجياتها لمحاربة أميركا، وقد توصلت وزارة الدفاع اليابانية إلى وثيقة خطيرة تحذر من أن التهديد النووي بات مشكلة وشيكة. لكن الوضع بالنسبة للصين أكثر خطورة حيث باتت في موقف صعب مع الزعيم بيونغ يانغ. فلطالما حذرت الصين كوريا الشمالية حول برنامجها النووي، وقد رد نظام الرئيس كيم جونغ أون بإجراء تجربته النووية الخامسة في سبتمبر الماضي ومواصلة تجاربه الصاروخية بالرغم من التحذيرات الصينية الشديدة، وشملت صفعة كيم إلى بكين اغتيال أخيه غير الشقيق كيم جونغ نام الذي كان تحت الحماية الصينية. إن تحدي كوريا الشمالية للولايات المتحدة والصين متأصل في إيديولوجيتها حيث أن فلسفة البلد الرسمية مبنية على “الاستقلال في السياسة والاكتفاء الذاتي في الاقتصاد والاعتماد على الذات في الدفاع الوطني”.
وقد أكدت المناقشات التي أُجرت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي ضمن الاجتماع السنوي لمؤسسة السياسة الخارجية ما يهمنا في هذه المواجهة، فقد شمل اجتماع هذا العام خمسة مسئولين في إدارة ترامب فضلا عن مجموعة من كبار المسئولين السابقين من الإدارات التي رأسها بالسابق الحزب الجمهوري والديمقراطي، وتم اتفاق الآراء حول أن أزمة كوريا الشمالية توفر ما وصفه أحد المشاركين ب “اللحظة الفارقة”، فإذا تمكنت الصين والولايات المتحدة من إيجاد مسار مشترك وحل الأزمة سلميا فإنهم سينجحون بذلك في “تحديث النظام العالمي” الذي كان الموضوع الأكبر لمناقشات الاجتماع. أما إذا فشلتا أو إذا كانت تصريحات ترامب النارية قد أزعجت بكين بدلا من تحفيزها وإذا قرر بيونغ يانغ اختبار فلسفة الاكتفاء الذاتي بامتلاك الأسلحة النووية وإذا أصبح ترامب أول رئيس منذ جون كينيدي يجد نفسه حقا على حافة الهاوية النووية، ماذا سيحدث وماذا سنواجه حينها؟ بطريقة أو بأخرى ستشكل الأشهر القادمة صورة الأمن العالمي لسنوات عديدة قادمة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.