عن تغير المناخ وتداعياته

مقالات
د. أسماء العلوي: أستاذة جامعية وكاتبة مغربية

تسببت موجة الصقيع التي شهدتها مؤخرا مناطق من الولايات المتحدة وكندا في انخفاض قياسي في درجات الحرارة بعيدا عن المعدل الطبيعي لهذه الفترة من السنة. وحذر مسؤولون من أن الرياح القطبية الشديدة البرودة قد تخفض الحرارة إلى خمسين درجة مئوية تحت الصفر.
وأدت هاته الظروف إلى حالة من الفوضى في مطارات عدة، مثل مطار نيويورك، وأدت إلى اضطرابات في حركة الملاحة الجوية بشكل عام. وفي كندا، أشارت التوقعات إلى اقتراب درجات الحرارة من خمسين درجة مئوية تحت الصفر في شمال أونتاريو وكيبك. وحذر مسؤولون من أن الرياح القطبية الشديدة البرودة قد تجعل درجة الحرارة تعطي شعورا وكأنها 43 درجة مئوية تحت الصفر في مناطق شرق الولايات المتحدة، مشيرين إلى مخاطر تعرض أي جزء مكشوف من الجسد إلى الإصابة بالتجمد في غضون عشر دقائق فقط. كما تأتي موجة الصقيع عقب إعصار قضى بسببه تسعة عشر شخصا في الولايات المتحدة امتد من تكساس إلى ويسكونسن، وفقا لوسائل إعلام أمريكية. وتساقطت الثلوج بكثافة جراء إعصار مدمر على الساحل الشرقي وسط درجات حرارة متجمدة ورياح عاتية، ما تسبب بإلغاء رحلات جوية.
نعم إنه التغير المناخي الذي يعرفه المختصون بأنه اختلال في الظروف المناخية المعتادة كالحرارة وأنماط الرياح والمتساقطات التي تميز كل منطقة على الأرض. فعندما نتحدث عن تغير المناخ على صعيد الكرة الأرضية، فنعني تغيرات في مناخ الأرض بصورة عامة. وتؤدي وتيرة وحجم التغيرات المناخية الشاملة على المدى الطويل إلى تأثيرات هائلة على الأنظمة الحيوية الطبيعية. وهو يحصل بسبب رفع النشاط البشري لنسب غازات الدفيئة في الغلاف الجوي الذي بات يحبس المزيد من الحرارة. فكلما اتبعت المجتمعات البشرية أنماط حياة أكثر تعقيدا واعتمادا على الآلات احتاجت إلى مزيد من الطاقة. وارتفاع الطلب على الطاقة يعني حرق المزيد من الوقود الاحفوري (النفط-الغاز-الفحم) وبالتالي رفع نسب الغازات الحابسة للحرارة في الغلاف الجوي. بذلك ساهم البشر في تضخيم قدرة مفعول الدفيئة الطبيعي على حبس الحرارة؛ ومفعول الدفيئة المضخم هذا هو ما يدعو إلى القلق. وتشير منظمة كرينبيس إلى بعض العواقب المحتملة من قبيل:
-خسارة مخزون مياه الشفة: في غضون 50 عاما سيرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص في مياه الشرب من 5 مليارات الى 8 مليارات شخص.
-تراجع المحصول الزراعي: من البديهي أن يؤدي أي تغير في المناخ الشامل إلى تأثر الزراعات المحلية وبالتالي تقلص المخزون الغذائي.
-تراجع خصوبة التربة وتفاقم التعرية: إن تغير مواطن النباتات وازدياد الجفاف وتغير أنماط المتساقطات سيؤدي إلى تفاقم التصحر. وتلقائيا سيزداد بشكل غير مباشر استخدام الأسمدة الكيميائية وبالتالي سيتفاقم التلوث السام.
-الآفات والأمراض: يشكل ارتفاع درجات الحرارة ظروفا مؤاتية لانتشار الآفات والحشرات الناقلة للأمراض كالبعوض الناقل للملاريا.
-ارتفاع مستوى البحار: سيؤدي ارتفاع حرارة العالم الى تمدد كتلة مياه المحيطات، اضافة الى ذوبان الكتل الجليدية الضخمة ككتلة غرينلاند، ما يتوقع ان يرفع مستوى البحر من 0,1 الى 0,5 متر مع حلول منتصف القرن. هذا الارتفاع المحتمل سيشكل تهديدا للتجمعات السكنية الساحلية وزراعاتها إضافة إلى موارد المياه العذبة على السواحل ووجود بعض الجزر التي ستغمرها المياه.
-تواتر الكوارث المناخية المتسارع: إن ارتفاع تواتر موجات الجفاف والفيضانات والعواصف وغيرها يؤذي المجتمعات واقتصاداتها.
يمكن للرئيس الأمريكي ترامب إذا لم يؤمن يوما من الأيام بهاته المعطيات أن يرى في بلده اليوم الانخفاض القياسي لدرجات وهطول أمطار وسط الصقيع في المناطق الممتدة من كانساس إلى تينيسي، وتعطل حركة السير على الطرقات بفعل الجليد وفي المطارات… وهاته الظواهر هي منذرة بأزمات متتالية في المدى المتوسط والبعيد… وإنه لمن الغرابة أن يستهزئ علنا بالاتفاقيات الدولية عن المناخ كاتفاقية باريس واتفاقية مراكش، وأن يأخذ قلما ويوقع في ورقة ينسحب بها من تلكم الاتفاقيات، وما ذنبها إلا أنها تريد أن تترك عالما نقيا للأجيال المقبلة، وما ذنبها إلا أنها تأخذ تدابير إنسانية وعقلانية من قبيل احتواء ارتفاع معدل درجات الحرارة بوضوح دون الدرجتين المئويتين مقارنة بمستويات درجات الحرارة في الحقبة ما قبل الصناعية، ومواصلة تنفيذ الخطوات الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1,5 درجة مئوية.
ونعلم أنه لتحقيق هذه الغاية، ينصّ اتفاق باريس على أن تراجع جميع البلدان التزاماتها كل خمس سنوات بغية خفض انبعاثات غازات الدفيئة التي تتسبب بها. ويجب أن تسجّل كل مساهمة من المساهمات المحدّدة وطنيا تقدما مقارنة بالمساهمة السابقة.
وقد التزمت الأطراف في اتفاق باريس ومراكش بالوصول إلى ذروة انبعاثات غازات الدفيئة على المستوى العالمي في أقرب وقت لكي يتسنى تحقيق التوازن بين الانبعاثات والتعويض عنها في النصف الثاني من القرن. كما التزمت الدول بزيادة جهودها فيما يخص التخفيف وخفض انبعاثات غازات الدفيئة، وللحديث بقية.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.