“ثورة” القمع والفساد والاستبداد

الإفتتاحية

“ثورة” القمع والفساد والاستبداد

منذ قيام المسماة “الثورة الإيرانية” في العام 1979، فهي لم تؤسس لعهد مأساوي في هذا البلد فقط، بل كانت إيذاناً بمرحلة جديدة من التهديد العالمي، والذي انعكست آثاره السلبية على المنطقة قبل غيرها بحكم الجوار الجغرافي.
“الثورة” إياها، لم تكتف بالفشل في تقديم أي شيء للشعب الإيراني، ولم تعجز فقط عن مواكبة عصرها، لكنها بقوة الحديد والنار والقمع أعادت إيران إلى الوراء وبنظام راديكالي متشدد حاول تدجين الشعب الإيراني الذي وجد نفسه ضحية قيود تمنعه من إيجاد أي أمل بمستقبله، لا بل إن حاضره بات مأساوياً، فسرعان ما وجد نفسه يزج في حرب على غرار جميع مغامرات الأنظمة الديكتاتورية التي تحاول ترسيخ نفوذها وسيطرتها، كما وجد أن الآمال بأي تحسن معيشي مستحيلة في ظل تبديد لثروة بلد غني تذهب كل موارده لخدمة مآرب نظام يقوم على التوسع والعدوان والتدخل في شؤون الدول وزرع المليشيات وتسليح المرتزقة، مما عرض البلد لعقوبات استغلها النظام الإيراني طويلأً لتبرير مآسي الشعب بحجة الشعارات المفضوحة والتي لم تعد خافية على أحد، متناسياً هذا النظام أن الزمن لا يعود إلى الوراء وأن المتغيرات العالمية والتطور سوف يفرض نفسه، لذلك فإن العقلية الراديكالية والتشدد والحكم باسم “نظام الولي الفقيه” قد عفى عليه الزمن ولم يعد أي شعب يتقبل هذا ديكتاتوريات، وقرابة 40% من الشعب الإيراني يرزح تحت خط الفقر، والبطالة تصل في مدن كثيرة إلى 60% في بعض المناطق، وتضخم كارثي، مع ما يرافق كل هذا من أزمات اجتماعية أدت مع نهاية العام المنصرم إلى هبة غضب شعبية جراء عقود من الطغيان الذي لم يعد محتملاً، فباتت تنحية كل من يمت إلى تلك “الثورة المزعومة” مطلب للغاضبين وأكدت الشعارات أن “سقوط الديكتاتور” و”الإعدام للمرشد” وحرق صور خامنئي ورؤساء إيران “الأحياء والأموات”، تأكيد لرفض كل ما يمت إلى ذلك العهد الأسود الذي استولى على إيران وعمل على إعادتها إلى الوراء منذ العام 1979.
الحراك الشعبي العفوي الذي تشهده إيران اليوم، وأخفقت قبضة طهران في قمعه والتعامل معه، كانت شرارته بدوافع اقتصادية، لكن في حقيقة الأمر فإن تحولها إلى مطالب سياسية ترفض أي وجود لحكم المرشد هو تحرك في مكانه، فالسياسة والاقتصاد لا ينفصلان، وفشل أي منهما سينعكس على الآخر، أي أن الشعب الإيراني يدرك أن كل مصائبه وويلاته وما يعانيه سببها الطغمة الحاكمة الظلامية التي لم تعط مصلحة شعبها منذ 4 عقود أي اهتمام أو اعتبار، والشعب الإيراني الذي يرى تقدم شعوب العالم والزمن الذي يُراد إبقاؤهم فيه لم يعد أمراً ممكناً فالموت هو رفيق يومي لشعب إيران، سواء أكان موتاً بسبب الجوع أو الفقر أو القمع والتنكيل والإعدامات والتهميش وغيره، ومن هنا فالحراك الذي يعزوه النظام الإيراني زوراً لـ”المؤامرة”، هو حراك طبيعي ومنطقي ومستحق خاصة أن الهدف هو الخلاص من الموت المتربص في كل مكان ولا يوجد لديه ما يخسره.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.