ثورة الجوع في إيران

الرئيسية مقالات
فريد أحمد حسن

بعد أربعة عقود من استيلاء الخميني على السلطة في إيران ، وبعد حياة الفقر التي صار أغلب الشعب الإيراني يعيشها ، وبعد أن ذاق هذا الشعب – الذي اعتقد أن الإفلات من زمن الشاه فيه خير له لأن الذين سيتسلمون السلطة “يعرفون الله” – ما ذاق من ذل وهوان ، بعد كل هذا لعل الوصف الأنسب لما جرى في إيران منذ العام 1979 إلى اليوم هو أن من قادوا ما يسمى “الثورة الإسلامية” تسلموا “بلدا مزدهرا إلى درجة ما وحولوه إلى منزل فقير متهالك يعاني سكانه من الجوع” كما كتب البعض ، فهذا الوصف يعبر بدقة عن الذي جرى في إيران ويكشف عن السبب الأساس الذي دفع الإيرانيين إلى الثورة على النظام الحاكم ، فمن غير المعقول أن يستمر هذا الشعب في قبول الحياة التي لم يعد يصدق عليها اسم حياة ، ومن غير المعقول أن يستمر في السكوت عن الحال التي صار فيها والتي تناقض كل ما تم تصويره له في أعوام الثورة على الشاه .
الكثير من الإيرانيين يعيشون اليوم في أوضاع لا تليق بالبشر ، ومنهم من يعيش في  العشوائيات والمقابر ويعاني الجوع ، بينما الملايين لا يجدون الوظيفة التي يمكن أن تكفيهم ذل السؤال . باختصار فإن من تسلموا السلطة في ذلك العام وبشروا بالحياة المثالية لم يتمكنوا من توفير الحياة الكريمة لأغلب الشعب ، لهذا خرج في مظاهرات حاشدة في مختلف المناطق وقرر تحمل ما قد يأتيه من السلطة التي لم تعد تختلف عن السلطة السابقة وتتعامل معه بالأدوات نفسها التي كان الشاه محمد رضا بهلوي يتعامل بها معه ، وإن اختلفت الأسماء .
الإشكالية التي ينبغي ألا تفوت على المعنيين في دول مجلس التعاون جميعها هي أن بقاء الحال على ما هو عليه في إيران سيدفع الإيرانيين ، وأغلبهم من فئة الشباب ، إلى التطلع إلى الخروج من إيران ، وأن هذا الأمر قد يتحول بعد قليل إلى ورقة تستخدمها السلطة هناك لتهدد بها هذه الدول التي يعتبرها الشباب الإيراني غنية رغم كل ما تعانيه اليوم بسبب انخفاض أسعار النفط .
كلما زاد الفقر والظلم في إيران كلما تطلع الشباب الإيراني إلى الإفلات من هكذا وضع ، وبسبب القرب الجغرافي فإن دول مجلس التعاون ستشكل الخيار الأول والأفضل لهم ، ولن يعدموا وسيلة للوصول إليها حتى مع تشديد الرقابة على المداخل وتغليظ العقوبات ، فالجوع كافر .
هذا يعني أن على دول مجلس التعاون ، إن أرادت أن تكون في مأمن وبعيدة عن كل طارئ وكل ما هو غير متوقع ، أن تدعم التحرك الأخير الذي شهدته مدن وقرى إيران وأن تشارك الدول الأخرى في عدم السماح بقمعه ، وليس بالضرورة أن يؤدي هذا إلى انتصار من خرجوا في تلك المظاهرات وتسلمهم السلطة في إيران ، فالمهم بالنسبة لدول التعاون هو أن يكون الشعب في هذه الجارة مستقرا ولا يعاني من الفقر الذي قد يدفعه يوما إلى اعتبار الدول القريبة ملجأ ، ويعتبر الوصول إليها والعيش فيها حلا لما صار فيه .
هذا هاجس ينبغي التعامل معه بكثير من الاهتمام ، وليس فيه مبالغة ، لأن الجغرافيا تفرض مسئوليات لا يمكن غض الطرف عنها ، ولولاها لما وقع حكام إيران منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي تضرروا منه كثيرا وذلك عندما أعلنوا عن عزمهم تصدير الثورة ، حيث أن التصدير لن يكون للبعيد ولكن لمن يتشارك معهم الجغرافيا أولا ، وهو ما قالوه صراحة في حينها وظلوا يقولونه على مدى الأربعين سنة الأخيرة وينكرون أنهم يقولونه .


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.