السفر عبر الإعاقة

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

لم يكن ستيفن هوكنج طالباً مميزاً في شبابه، لكن لا يمكن إنكار ما تمتع به من ذكاء، رغم أن معلميه لاحظوا أنه لا يركز على دراسته، ولم يوظف كامل قدرته. ولكن نقطة التحول في حياته جاءت عام 1962 بعد أن تخرج في جامعة أكسفورد، عندما بدأ لأول مرة يلاحظ أعراض مرض ALS وهو التصلب الجانبي الضموري. صدمه النبأ صدمة عنيفة.. إنه يعاني من مرض الأعصاب الذي لا يمكن علاجه، والذي سيحرمه من وظائف الحركة كلها، بل وسيقتله قريباً. كان الحدث في البداية مؤلماً للغاية، فما قيمة الدكتوراه إذا كان سيموت لا محالة؟! لكنه ما كاد يتغلب على الصدمة الأولى حتى أصبح شديد العزم كما لم يكن من قبل، وبدأ بحماس يعالج أكثر المسائل تعقيداً في نظرية النسبية لأينشتين، وقدم للعلم إنجازات غير مسبوقة في مجال الثقوب السوداء والتي تمثل أفضل أعماله.
ولم يزل مرضه الخطير يهاجم جسمه حتى أدى إلى شلل يديه ورجليه وحتى أحباله الصوتية، ولكن بمعدل أبطأ مما توقعه الأطباء، ورغم ذلك فقد أصبح أباً لثلاثة أطفال كما رزق بأحفاد. وفي عام 2007 احتلت أنباؤه العناوين العريضة عندما سافر بطائرة نفاثة أرسلته إلى حالة انعدام الوزن محققاً رغبة حياته، أما رغبته التالية فهي الانطلاق في الفضاء الخارجي.
واليوم ورغم شلله التام في كرسيه المتحرك، فهو يتصل بالعالم الخارجي بتحريك عينيه، وما زال يكتب الأوراق العلمية ويلقي المحاضرات ويدخل في المجادلات النظرية، إنه أكثر إنتاجاً بتحريك عينيه من عديد من العلماء الذين يتمتعون بصحة وافرة ويتحكمون بأجسادهم كاملة. يقول أحد المقربين منه أنه ورغم عجزه الجسدي الذي يمنعه من إجراء الحسابات الصعبة اللازمة لحفاظه على الصدارة، إلا أنه يركز على توليد أفكار جديدة منها السفر عبر الزمن.
إن إرادة التحدي التي يتمتع بها من حُرم من قدرة جسدية أو ذهنية تتحول لدى بعض الناس إلى طاقة هائلة تسري في أوصالهم تجعلهم يغيرون حياتهم وحياة من حولهم، بل وحياة الناس أجمعين. والسؤال الذي طالما طرح نفسه، ماذا لو كان هؤلاء كاملي القدرة؛ هل كانوا سيتمتعون بالإرادة نفسها التي نراها في سلوكهم وفي أعمالهم وإنجازاتهم، أم كانوا سينضمون إلى فريق العاديين الذين يُتخم بهم العالم. ولقد حدثنا التاريخ عن كثير من هؤلاء الذين نزع القدر منهم بإحدى يديه قدرة ليهبهم بيديه الأخرى قدرات أكثر حدة وحذقاً وبراعة. إنه ارتحال من المعتاد إلى الإبداع ومن التقليد إلى التجديد، إنه سفر في التاريخ عبر الإعاقة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.