خاص بالوطن عن "نيويورك تايمز"ويل هيكي

خطط بكين والاقتصاد العالمي

الرئيسية مقالات

تشعر واشنطن بالانزعاج حيال رفض الصين لمؤسساتها الفاعلة التقليديّة – وبالأخص “البنك الدولي”، و”صندوق النقد الدولي” و”بنك التنمية الآسيوي” – لذا، ستبقى الدولتان الأميركيّة واليابانيّة على حدة، رغم أنهما كانتا متحمستين في الأساس، ولكنّهما تدرسان اليوم احتمال عقد شراكة ما.
في الصين مقولة شعبية مفادها أنّهم “ينامون في سرير واحد، إنّما تراودهم أحلام مختلفة”. وبالطريقة ذاتها، نرى أنّ الأعضاء المؤسسين لـ”البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” هم عبارة عن مجموعة متنوّعة وكبيرة، وضعت لنفسها سلسلة من جداول الأعمال المختلفة. وتتوقّع كوريا الجنوبيّة، التي تمّ تهميشها في “بنك التنمية الآسيوي”، الاستحواذ على حصّة أكثر من 5 في المئة من “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية”، وذلك على الرغم من الهواجس الأميركية. والواقع أنّ كوريا الجنوبيّة، المعروفة بقطاع المعدّات الثقيلة، إلى جانب شركتي “هيونداي” و”دوسان” وبراعتها الفائقة في شتّى الصناعات، بدءاً بالطرقات والمرافئ ومروراً بالجسور بفضل وحدات “جي أس″، و”هانهوا” وبوسكو”، لن تتبوّأ المرتبة الثانية لمصلحة القطاع الصناعي الياباني.
ومن جهتها، ترى أستراليا، وهي دولة أخرى ضغط عليها الأميركيّون بقوّة كي لا تنضم إلى المشروع، أنّ الصين هي من أهمّ الأسواق التي تقصدها لتصدير الفحم الحجري، والنحاس وخام الحديد، ما يجعلها بالتالي مصدر نفوذها الصناعي، الذي يخوّلها تنفيذ مشاريع كبرى في مجال البنية التحتيّة.
أمّا المملكة المتّحدة، أوّل دولة كبرى من الاتّحاد الأوروبي تطالب بالانضمام إلى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية”، ففاجأت الولايات المتّحدة بعد أن أبقتها بعيدة عن المفاوضات السرّية التي أجرتها. وفي حين لم تتّضح المصالح البريطانيّة الكبرى التي حثّتها على التقرّب من الصين، ثمّة أمر مؤكّد، وهو أنّها تأمل استعادة نفوذها الآسيوي الذي خسرته إبّان تسليمها هونغ كونغ للدولة الصينيّة في العام 1997.
وبالمختصر المفيد، لا شكّ في أنّ مصرفاً تنمويّاً جديداً مدعوماً ماليّاً من الصين، بفضل احتياطاتها البالغة 4 تريليونات دولار، يُعتبَر أكبر من أن يتمّ تجاهله.
هل ستكون المبادرة الصينيّة الجديدة فاعلة، أم أنّها مجرّد فعل تمرّدي على المصالح التنمويّة الغربيّة الراسخة؟ لقد سمح النموذج التنموي الصيني، القائم على نقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية، بما يشمل الطرقات الرئيسية والمرافئ والسكك الحديدية، بإخراج ملايين الناس من دوّامة الفقر وإدخالهم الطبقة المتوسّطة. ومن شأن تصدير هذا النموذج، بدلاً من الاكتفاء بنقل منتجات مصنّعة تتطلّب عمالة مكثّفة إلى الغرب، أن يمثّل الخطوة التالية في سياق ارتقاء الصين بمقامها مؤخراً كقوّة عظمى ناشئة وذات مصداقيّة.
لا شكّ طبعاً في أنّ الشكوك كثيرة.
“نحن حذرون حيال توجّه نحو إرضاء الصين باستمرار”، بحسب ما كشف مسؤول أميركيّ لصحيفة “فاينانشال تايمز″، بُعيد سماعه الخبر عن طلب الانتساب البريطانيّ إلى المصرف المذكور. وتابع قائلاً “إنّها ليس أفضل طريقة للتصدّي لقوّة صاعدة”.
تذكّر هذه الكلمات بشكل غريب بالمناورات الاقتصاديّة المحتدمة التي شهدها العام 1944 في “بريتن ودز” بين خبير الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز، والتكنوقراطي الأميركي هاري دكستر وايت، حيث كان النظام البريطاني في طور التراجع، في حين أنّ الولايات المتّحدة الصاعدة كانت تتحدّى هيمنة الجنيه الإسترليني التي كانت الإمبراطوريّة البريطانيّة ترفض التخلّي عنها.
ومع ذلك، أشارت صحيفة “ذا غارديان” في العام 2014 إلى إنّه “من وجهة استراتيجيّة، لا يمكن للولايات المتّحدة مواصلة تشجيع نظام اقتصاديّ بائد في آسيا”.
اليوم، تحتاج آسيا إلى إنفاق نحو 800 مليار دولار سنويّاً على البنية التحتيّة. بيد أنّ مسؤوليّة تحديد حجم الاستثمار ليست محصورة برأس المال المالي، بل تشمل أيضاً رأس المال البشري. ولعلّ “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” أحسنا في إثبات فعاليّة رأس المال البشري، بمساعدة عدد كبير من المواهب التي تمّ جمعها
من شتّى أرجاء الدول النامية، والتي تحتاج الآن إلى إصلاح. وقد لا تتمتّع أيّ منظّمة أخرى بهذا الكمّ الكبير من الدراية المالية، والاقتصادية، والقانونية التي يمكنها الاستعانة بها لمشاريعها الكثيرة، القائمة بمعظمها بتفويض سياسي، والموجّهة في الآونة الأخيرة نحو تحدّيات “الدول الثرية” الأوروبية، بما يشمل اليونان وأوكرانيا.
شاءت العادة أن يكون النموذج التنموي الصيني موحّداً، لما يشمله من تخطيط صناعي، ومؤسسات تلقى رعاية حكوميّة وتتجاهل مسائل على غرار حقوق الإنسان، وحقوق القوى العاملة والبيئة. وهو استثمار يتطلّب رأس مال كبيراً، ومنحى أفكار هندسيّاً يشدّد التركيز على الإجراءات والنتائج الملموسة.
ليست هذه من المخاوف الثانويّة في إطار تأسيس مصرف استثماري إقليمي جديد. فعلى الصعيد المحلي، لا تسمح دولة الحزب الواحد الصينيّة بحصول عدم توافق في الآراء، متى كان الأمر على صلة بالخلافات المرتبطة بالقوى العاملة، أو الرواتب المنصفة، أو تلوّث الجو أو غيرها من المخاوف البيئيّة. ويشار إلى أنّ الضباب الدخاني الحمضي يبلغ مستويات قياسيّة في المدن الصينيّة الكبرى، ويعزى سبب ذلك، بشكل أساسي، إلى حرق الفحم الحجري لدى إنتاج الحديد وتوليد الكهرباء، في حين تتبوّأ المخاوف الصحية مرتبة ثانويّة بالمقارنة مع النمو السريع. لقد تمّ التخطيط لبناء “سدّ الممرات الثلاثة” وتفويضه انطلاقاً من بيجينغ، من دون أيّ مشاركة ملحوظة من السلطات الإقليميّة. وأغرقت مواقع تاريخيّة عدّة، ونزح سكّان قرى كاملة من دون حصول أيّ نقاش، بما يشمل قرى كثيرة لم تحصل على التعويضات الذي وُعِدَت به.
لو تمّ تطبيق المقاربة ذاتها دولياً، لكانت ستسبّب مشكلة. ففي نيكاراغوا مثلاً، لا شكّ في أنّ استثماراً واسع النطاق على الطريقة الصينيّة كان ليحثّ على استحداث قناة ثانية تعبر مضيق بنما. ولكن لو كان “سد الممرات الثلاثة” ليشكّل مرجعاً، لا شكّ في أنّ المشروع كان سيحصد نتائج مثيرة للجدل، وكان ليُعتَبر تحفة تكنولوجيّة، إنّما محفوفة بقدر كبير من المخاوف الاجتماعيّة والبيئيّة.
في حال كان سلوك الإهمال مقبولاً على صعيد البنية التحتيّة، فقد يلقى “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” معاملة سلبيّة من وسائل الإعلام في عالم تجعله وسائط التواصل الاجتماعي شديد الترابط. وبالتالي، سيُعاد التأكيد على تفضيل الأميركيّين لأدوات استثمار بقيادة غربيّة، وليس آسيويّة، تنصاع لأعلى المعايير. ومن الضروري التعاطي بحذر مع أيّ مشروع بنية تحتيّة يتطلّب رأس مال كبيراً، ولا بدّ للمخطّطين أن يفكّروا في أنّنا نعيش جميعاً في عالم مترابط واحد، ولا يمكن الاكتفاء بإبقاء مشاكله مخفيّة في مكان بعيد عن العيون.
اليوم، تعالج الصين مشاكلها المحلّية، على غرار الضباب الدخاني والفساد، بفعاليّة أكبر، ولكن يبقى أن نرى إن كانت هذه المبادرات، التي لقيت تفويضاً سياسياً، ستؤثر في طريقة التفكير الإقليمية. ومع ذلك، قد تحصل هذه المناطق على فوائد هائلة تتعلّمها من البنية التحتيّة الصينيّة.
لعلّ أفضل النتائج المتوقّعة من “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية”، بقيادة صينيّة، هي الشفافية والتعاون بين الجهات المشاركة. ولكن ينبغي أوّلاً النظر إلى عنصرّي المكان والقيادة، شكلاً ومضموناً، باعتبارهما منتجاً “صينيّاً بالكامل”. واليوم، تشكّل آسيا “المحور الرئيسي”.
ومع انضمام هذا العدد الكبير من الدول إليها، من الضروري ترسيخ الدور الذي تؤدّيه دول عملاقة من حيث عدد السكّان، على غرار الهند وإندونيسيا، فنرى على سبيل المثال مديراً هندياً في “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية”، اتّخذ من جاكارتا، ثاني أكبر مدينة في العالم، مقراً له، مع العلم بأنّ خطوات من هذا القبيل قد تسمح بتعزيز التعاون مع الدولتين. وقد أعلنت الصين أنّه على الرغم من انفتاحها على عدد من الوجهات، لا تزال تعطي الأفضليّة لشنغهاي لاستضافة المقرّ الرئيسي للمنظّمة الجديدة.
أمّا موطن القوّة الرئيسي، فهو أنّ نجاح “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” لن يتحددّ فقط رهناً بحجم رأس ماله، ومدى تميّزه على الصعيد الهندسي، بالنظر إلى ضرورة أن تدرج المنظّمة المذكورة تنمية رأس المال البشري، والمسائل الاجتماعيّة في إجراءاتها، وأن تتصدّى لمشاكل البيئة والموارد الطبيعيّة على كوكبنا الذي بدأ يضيق بنا. وعند ذلك الحين فقط، ستتمتّع جميع مشاريعه التنموية بمشروعيّة وقيمة فعليّتين.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.