مواثيق الكرامة

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

كثيراً ما يتبادر إلى الأذهان معنى الشجاعة والتي قد تكلف صاحبها حياته، وكأن المتردد والخائف في معزل عن المهالك، ولكن قراءة متأنية في التاريخ تنبئ عن الذين ماتوا في ميادين الحياة وهم ينكصون على أعقابهم خوفاً كانوا أضعاف الذين ماتوا وهم يحتضنون الأخطار. ومن اليقين أن للمجد ثمناً يدفعه من أراد أن يكون له شأن في هذه الحياة، والمرتعبون يدفعون ضريبة وجلهم وهم صاغرون، والأمم التي تضن بأبنائها في سبيل المجد أيام الشقاء تفتقد وجودهم أيام الرخاء، والأمم التي لا تقدم في سبيل عزتها رجالاً أوفياء؛ لا تعدم ما يضمن ذلتها بين جميع الأمم.
ومن المؤسف أن بعض الناس يرى بذل النفس مغرماً يستحق الرثاء، والتضحية في سبيل المجد أمراً يقتضي العزاء، وهؤلاء حُق لهم أن يحيوا بؤساء، وأن يكونوا بين الأمم العظيمة أذلاء، كما أنهم لن يعرفوا راحة في حياتهم ولا رخاء.
وقد حكى لنا التاريخ عن رجال أقدموا على الموت في سبيل أوطانهم ولم يأخذوا من الردى أماناً، وما نالوا من حُسْن الحظ ضماناً، وإنما قد أيقنت نفوسهم أنهم لا محالة راحلون، ورغم ذلك ما تراهم من الوغى يفرون؛ فما يخافونه ولا يهابون. إن أرباب المجد يعلمون أن مواثيق الكرامة أجدر أن تحمل، وسبل السيادة والسؤدد أحق أن تسلك، والوفاء بثمن العزة واجب على الكبار.
أما الذين يعيشون لأنفسهم فقط، فلا ينتفع بهم وطن، ولا تعز بهم أمم، ولا ينتصرون لعقيدة ولا لقيم نبيلة؛ هؤلاء يكرسون حياتهم فيما لا طائل من ورائه، فإذا انقضت أيامهم لم يَدْرِ بهم قريب ولا بعيد. فهم لا يعدلون في ميزان الحياة شيئاً، ولا يستحقون في الوجود حفظاً ولا ذِكراً.
لا ينكر أحد رغبة الإنسان في العيش آمناً على نفسه، وادعاً بين أهله، موفقاً في عمله، حتى إذا دعا داعي المجد وقرعت الأسماع أصوات الشرف؛ وجدت أهل العزة يتسارعون إلى العلاء لا يلوون على شيء إلا بلوغ الرفعة والسناء. أما من يستثقل الكفاح ويضيق بمطالبه؛ فقد قبر نفسه وأمته؛ فاستحقا بذلك ذلاً لا يستطيعان منه فراراً مهما تباعدت الأيام.
وما سادت أمة إلا يوم أن قهرت نوازع الخوف، واستأصلت بواعث التواكل، وعمرت ميادين النضال بأبنائها الذين يركبون الصعاب ويردون الغمرات. يضربون في ذلك المثل في البسالة والتضحية، يدفعون أرواحهم ثمناً دون وَجَل. إنهم يسطّرون المجد لا يرضون عنه بديلاً، إنه دعامتهم المكينة التي بنوا في ظلها تاريخهم، وسجلوا بحروفها صحائف خلودهم، فعاشوا ووجوههم نضرة ونفوسهم مستبشرة.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.