وضع الشركات الحالي بين العولمة والمسئوليات الاجتماعية

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "بلومبيرج" الإخبارية مايكل سرين

“المسؤولية الاجتماعية الوحيدة فقط على الشركات هي استخدام مواردها والمشاركة في الأنشطة المصممة لزيادة أرباحها”، هكذا كتب ميلتون فريدمان، الخبير الاقتصادي الكبير والحائز على جائزة نوبل. لذا يجب على شخص ما أن ينقل هذه العبارة لقادة شركات اليوم الذين يستجيبون للرئيس دونالد ترامب بشأن الإنفاق على الأنشطة المختلفة لأهداف أخرى غير زيادة الأرباح بشكل مباشر. حيث أصبحت “المسئولية الاجتماعية للشركات” هي الموضوع الذي يشغل بال جميع المستثمرين الآن مما جعل الرؤساء التنفيذيين لتلك الشركات في نزاع سياسي متكرر بشكل غير عادي، وفي بعض الأحيان يفعلون ذلك بطرق لم يكن فريدمان قد وجدها محل اعتراض.
هذا ما يحدث منذ الأيام الأولى لإدارة الرئيس دونالد ترامب، وإليكم بعض الأمثلة الحديثة على هذا الأمر: منذ حادثة إطلاق النار في إحدى المدارس الثانوية في باركلاند بولاية فلوريدا، والذي أدى إلى مقتل 17 شخصًا، قطعت العديد من الشركات البارزة روابطها مع رابطة البندقية الوطنية. ولم تعد شركة يونايتد ايرلاينز والدلتا وعدة شركات لتأجير السيارات تقدم أسعاراً مخفضة إلى هيئة الموارد الطبيعية. كما توقف البنك الوطني الأول في أوماها عن تقديم بطاقة ائتمان تحمل علامته التجارية. هذا الأمر وغيره من الأمثلة الأخرى يوضحون أن الشركات أصبحت نشطة سياسيًا بصورة أكبر خلال العام الماضي.
لكن كيف نتأكد من ذلك. في الواقع، هذا الأمر ينعكس من خلال تغير العملاء والمطالبة بمزيد من المشاركة الاجتماعية والسياسية للشركات التي يرعونها. حيث قامت وسائل الإعلام الاجتماعية بالاهتمام بالإعلان عن تلك المشاركات أيضًا، وبات من الصعب أن نفهم لماذا يهتم أي شخص بما إذا كانت شركة تأجير السيارات التابعة له قد اختارت جانبًا في إحدى المناقشات السياسية العامة الأخيرة. لكن يبدو أن الكثير من الناس أخذوا يفعلون ذلك، ويستخدمون قوة وسائل الإعلام الاجتماعية للضغط على الشركات. هذا الأمر يخبرنا بعض الأشياء عن القبلية العميقة التي تميز الحياة الأمريكية. حيث لا يريد الناس فقط أصدقائهم وأخبارهم وشبكاتهم الاجتماعية أن يكونوا جزءًا من قبيلتهم بل باتوا الآن يريدون أن تكون بنوكهم أيضًا أحد أعضاء فريقهم. هذا الأمر للأسف غير صحي. السياسة مهمة ولكن لا ينبغي أن نحتاج إلى موافقة شركة الطيران على اتفاقيات تنظيم المناخ.
بالطبع تحمل بعض هذه الأنشطة اهتمامات ذاتية. فليس غريبًا أن نجد العديد من الشركات تدافع عن القضايا الليبرالية الاجتماعية التي تشغل بال الشباب والطلاب الجامعيين لأنهم يريدون عمالة جيدة مدفوعة جزئيا باحتياجاتهم في التوظيف، وهم يريدون كذلك جذب والحفاظ على قاعدة عملاء مخلصين. بعبارة أخرى، قد يكونوا بذلك يعظمون أرباحهم، كما يريد فريدمان، لكن بشكل آخر. إلا أن الإجراءات السياسية الأخيرة للشركات وقادتها ليست مجرد رد فعل على وسائل التواصل الاجتماعي أو القبلية غير الصحية أو السعي وراء المصلحة الذاتية في بيئة إعلامية جديدة. حيث ينبع البعض من قناعة شخصية حقيقية لتلك الشركات.
هل تذكرون رد ترمب على الاحتجاج القومي في شارلوتسفيل، فيرجينيا، في أغسطس الماضي. حيث استقال كينيث فرايزر، الرئيس التنفيذي لشركة ميرك من مجلس التصنيع الأمريكي احتجاجًا على الرئيس وتبعه آخرون. في وقت سابق من هذا الشهر، ناقش فرايزر لأول مرة سبب استقالته، قائلا: “كان رأيي أن عدم اتخاذ موقف بشأن ذلك الأمر سيعتبر تأييدًا ضمنيًا لما حدث وما قيل وشعرت بأنني ليس باستطاعتي البقاء”. حينها رد ترامب بأن هذا الموقف متوقع من رجل أعمال أمريكي من أصل أفريقي ولد جده في زمن العبودية. أو دعونا نلقى نظرة على 350 من المسؤولين التنفيذيين الذين وقعوا خطابًا في الخريف الماضي حثوا فيه ترامب على عدم إنهاء برنامج العمل المؤجل للقادمين إلى البلاد، والذي يرفع خطر الترحيل ويمنح تصاريح عمل لبعض الشباب الذين تم جلبهم إلى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني كالأطفال. حيث يريد الرئيس إنهاء ذلك البرنامج، لذا وقع كبار الخبراء التكنولوجيين بما في ذلك الرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك والرئيس التنفيذي لشركة أمازون جيف بيزوس الرسالة، جنبا إلى جنب مع وارن بافيت. في الحقيقة، بعض الإجراءات السياسية حول هذه المسألة تعكس بعض المخاوف المتعلقة بالعدالة وهي أنه لا ينبغي معاقبة أي فرد بسبب ما فعله والديه.

قد تنبع بعض الإجراءات السياسية الأخيرة للشركات أيضًا من التفكير بشأن ما سيحدث في المستقبل. ففي رده على احتجاجات شارلوتسفيل، أعطى ترامب غمزة وإشارة إلى القوميين البيض وقادة الأعمال مهتمون بحقب الاستقرار الاجتماعي فرصة للتفكير في الدعم والمصداقية المقدمين إلى وزير التجارة الذي تهدد أعماله هذا الاستقرار من أجل البقاء بعيداً عن عناوين الأخبار اليومية إلا أن الرؤساء التنفيذيون الذين تبعوه لم يرغبوا في ذلك. فالاستقالة من المجالس الاستشارية الرئاسية، وإصدار البيانات وإنهاء الخصومات هي إجراءات هامة. لكنهم على الأرجح لن يحدثوا فارقاً ملحوظاً في الحد الأدنى للشركة. الإجراءات الأخرى التي سيكون لها تأثير مباشر على الأعمال مثل رفض التعامل مع أولئك الذين لديهم وجهات نظر سياسية وسياسية مختلفة هي أهم بكثير.
تعتمد هذه الموجة الحالية من العمل السياسي على وجهات نظر المرء السياسية. لكن ما يمكن أن يكون جيدا بلا شك هو دفاع قوي من قبل قادة الشركات للنظام الليبرالي لما بعد الحرب العالمية الثانية. فإذا كان على قادة الشركات زيادة مشاركتهم في المناقشات السياسية، فلا ينبغي لهم أن يسمحوا بتحديد جدول أعمالهم على حسب عناوين الأخبار اليومية. بدلاً من ذلك يجب أن يركزوا على القيم والسياسات والمؤسسات التي تخلق الأمن والرفاهية على المدى الطويل. لقد ساعدت القيادة الأميركية القوية، واحتضان التجارة الحرة والعولمة والانفتاح على الهجرة والالتزام بالديمقراطية وتعزيز المؤسسات الدولية على خلق سبعة عقود من الازدهار في العالم المتقدم، وعلى الرغم من أن نظام ما بعد الحرب لا تدعمه إدارة ترامب والعديد من القادة الأوروبيين، إلا أنه من الضروري ضمان الرخاء في المستقبل. لهذا السبب نرى أن الترويج له يصب في مصلحة مجتمع الأعمال نظرًا لأنه على المدى الطويل ما هو جيد للأعمال يعد أمرًا جيدًا لنا جميعًا.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.