حياة واحدة

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

يُعد من القلائل الذين يُعرفون في تاريخ الأدب في العالم، وقصة حياته تفوق التصور؛ فهي تزخر بالمفارقات العجيبة الصارخة، حيث لم يتجاوز حظه من التعليم خمس سنوات، ورغم ذلك فقد انعقد له لواء زعامة الأدب، وصار أشهر كُتّاب عصره، ومُنح أرفع وسام في العالم وهو جائزة نوبل للآداب. عانى برنارد شو في بداية حياته نتيجة أحوال الأسرة المادية المتعثرة، حيث بدأ العمل صغيراً، ولم يمنعه ذلك من رحلة القراءة التي بدأها في السابعة من عمره؛ فتشبّع بكتابات شكسبير، وألْف ليلة وليلة، وديكنز، وهربرت سبنسر، وغيرهم من كبار الكُتّاب، وكان لهؤلاء فضل عليه في توسيع مداركه وإطلاق العنان لخياله. إلا أن قيود الوظيفة كانت تكبل طاقاته وإبداعاته، لأن قلبه كان يتوق دائماً للكتابة والأدب.
وفي العشرين من عمره عقد العزم على التفرغ للكتابة، حيث كان يرى أن لديه حياة واحدة ليحياها فلا يمكن أن تضيع فيما لا يُشبع ميوله ورغباته. وبدأ بمد الجسور بينه وبين الكتابة التي أغدقت عليه مالاً كثيراً وجعلت منه نجماً في سماء الأدب. ورغم ذلك فقد مرت عليه سنوات من الضنك خسر فيها بعض المال والنجاح، ولكن ذلك لم يمنعه من الكتابة؛ فقد كان يكتب خمس صفحات كل يوم، سواء وجد ميلاً لذلك أم لم يجد، وكان يُعدّ ذلك من بقايا ما تعلّمه من الوظيفة وهو أن يلزم نفسه بالصفحات الخمسة كل يوم.
كتب برنارد شو عدداً من الروايات لم تجد قبولاً بسبب آرائه الجريئة، حتى بليت ملابسه وتمزقت نعله، ولكن أمه كانت تعينه قدر طاقتها، تستدين لتصد عنه غائلته، واعترف أنه لم يُلق بنفسه إلى كفاح الحياة؛ بل ألقى بأمه إلى هذا الكفاح المرير. ويبدو أن مشاعر الخجل التي عاناها برنارد شو كانت وراء ذلك. ولأنه كان حريصاً على سلوكه في المجتمع؛ فقد عكف على دراسة كل كتاب يبحث في آداب السلوك ولاسيما ما يتعلق بالتغلب على الخوف، وتحققت رغبته وتعلّم كيف يخطب في الاجتماعات العامة بفضل إرادته الحديدية للانتصار على الخجل.
ابتسمت الأيام لبرنارد شو حيث أصاب نجاحاً عظيماً، وتزوج تحقيقاً لغرض طالما كان يحلم به وهو أن يجد شخصاً يفكر فيه أكثر من تفكيره في نفسه. والمثير في الأمر أن برنارد شو كان منشغلاً بالحياة بحيث لم يجد متسعاً من الوقت للتفكير في الموت، وقد كان يرى أن الحياة شمعة قصيرة الأجل، يمسك بها ما دام حياً، ثم يسلمها للأجيال المقبلة على ما هي عليه من التوهج والتألق.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.