ظل السماء

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

ولد لأب إيطالي وأم أيرلندية، وكان يحلم بابتكار شيء يمكّنه من السفر حول الأرض، وكلما سافر بالقطار مع أمه في طفولته كان يطالع الجبال المكسوة بالجليد، والأنهار المتدفقة، والقصور الزاخرة؛ فتولّد فيه حافز قوي وميل حقيقي للسفر، وعندما صار راشداً قرأ تجارب السابقين التي تثبت وجود موجات غير مرئية تتحرك في الهواء بسرعة الضوء؛ فأجرى بحوثه على التلغراف اللاسلكي مما أكسبه شعوراً بأنه يسافر تحت ظل السماء إلى بلاد بعيدة. ولقد كان تطلعه إلى السماء سراً من أسرار إبداعاته؛ فقد كان يعجز عن التركيز بين الجدران المغلقة والمكاتب الضيقة، ولذلك فقد كانت معظم إنجازاته على ظهر يخت خاص به، كان أشبه ما يكون بمعمل عائم، كما كان عشقه للسفر سبباً في عبور الأطلنطي سبعاً وثمانين مرة.
ومن العجيب أن والد ماركوني لم يكن مقتنعاً بما يفعله، وقد صارحه يوماً بأنه يُضيّع وقته هباءً، ولكن والده نفسه دهش عندما باع ماركوني امتياز بعض اختراعاته بمبلغ كبير. ولم يكن لذلك المال تأثير عليه؛ فقد كانت الحماسة التي يستشعرها وهو يقوم بتجاربه أشد إغراء له من أي شيء يمكن شراؤه بالمال.
وكعادة المبدعين، لم تكن طريق ماركوني مفروشة بالورود؛ فقد صادف كثيراً من الإحباط وخيبة الأمل، ولكن ذلك لم يفقده حماسته، وأتم عمله العظيم الذي أبهر العالم كله؛ فقد انتصر الإنسان على الزمان والمكان، وتجاوز عتبة عهد جديد، وولد التلغراف اللاسلكي الذي قُدّر له أن يغيّر العالم أجمع.
والملفت في الأمر أن ماركوني عندما حقق هذا الإنجاز لم يكن قد تجاوز سبعة وعشرين عاماً، كما لم يسلم من الحاقدين الذين سارعوا بعداوته، حيث تخيلوا أن الموجات الكهربائية ستمر خلال أجسامهم، وستؤذي أعصابهم، وتعيقهم عن ممارسة حياتهم، وقد دفعت الغيرة أحدهم ليهدد ماركوني بالقتل.
استطاع ماركوني أن يغير شكل العالم، فقد جعل المعجزات ممكنة، والحلم حقيقة. حيث نستطيع الآن إرسال رسالة حول العالم في سُبع ثانية، ورغم هذا الإنجاز الأبدع لماركوني فلم يكن مزهواً بنفسه، وإنما كان متواضعاً هادئ الصوت، وديعاً، قادراً على استشراف المستقبل. مُنح ماركوني جائزة نوبل في العلوم، كما منح جوائز أخرى في انجلترا وأمريكا، وعيّنه ملك إيطاليا عضواً في مجلس الشيوخ.
آمن ماركوني بحلمه الذي تعلق به صغيراً، ولم يستجب لكلمات الأحباط التي وجهت إليه، وعوامل اليأس الكفيلة بهدم أي حلم؛ لتنطلق في داخله قوة دافعة مليئة بالرغبة في النجاح وتحدي كل الظروف الصعبة، واستمر حتى حقق حلمه ليصير في أوج التألق وسدة الإنجازات.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.