دور الميزان التجاري للسلع في استقرار الاقتصاد الأمريكي

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "بلومبيرج" جاستين فوكس

ارتفع عجز الحساب الجاري الأمريكي قليلاً في نهاية العام الماضي إلى 128.2 مليار دولار خلال الربع الرابع بالمقارنة مع 101.5 مليار دولار في الربع الثالث لنفس العام وفقاً للبيانات الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي. هذا الحساب يمثل 2.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وهو أمر لا يعتبر كبيراً من منظور السنوات الخمس عشرة الماضية. فرصيد الحساب الجاري هو مجموع الأرصدة من السلع والخدمات وتدفقات الدخل الأولية والثانوية. حيث يتم الحصول على الدخل الأولي من قبل الأفراد والشركات الأمريكية عن طريق الاستثمارات خارج البلاد أما الدخل الثانوي فهو التحويلات الجارية مثل التحويلات التي يرسلها العاملون في الولايات المتحدة إلى الأقارب في البلدان الأخرى. لذا يحظى الميزان التجاري للسلع بأكبر قدر من الاهتمام في النقاش السياسي، وذلك لأنه السبب الوحيد وراء الزيادة الكبيرة في عجز الحساب الجاري منذ أوائل الثمانينيات.
أسباب هذه الزيادة الكبير في العجز التجاري قد تمت مناقشتها بطبيعة الحال بشكل كبير خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. في السياسة كان معظم الاهتمام متعلقًا بالتعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية، التي يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يعطيها أولوية قصوى في سنته الثانية بمنصبه. أما الاقتصاديين فينصب تركيزهم على أمر مختلف تماما، فعضو مجلس الاحتياطي الاتحادي جوزيف إيجونون والزميل القديم لمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قد أوضح أنه ليس للحواجز التجارية سوى آثار طفيفة على قرارات الاقتراض والقروض. حيث يمكن أن تقلل من الواردات في الصناعات المتضررة ولكنها تتسبب في تغيير سعر الصرف بشكل يحقق تغيرات موازية في الواردات والصادرات الأخرى. يري بعض المراقبين هذا الشكل من الاقتراض على أنه شيء إيجابي مدفوع بالثقة في الاقتصاد الأمريكي، أو على الأقل في قدرة وزارة الخزانة الأمريكية على صنع الأصول الآمنة، ويصور آخرون ذلك على أنه علامة على الضعف بسبب العجز المزمن في الميزانية الفيدرالية أو التلاعب بالعملة من قبل الحكومات الأجنبية. أنا حقاً لست متأكداً كون أي منها على حق -ربما جميعهم! – لكن يبدو أن جميعهم يشيرون إلى أنه من المرجح أن يرتفع العجز في الميزانية بشكل حاد على وجه الخصوص بسبب التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق التي أقرها الكونجرس كما أن استراتيجيات الرئيس السيئة في التجارة لن تقلل فعليًا من العجز التجاري.
الجدير بالذكر أن نماذج الاقتصاديين في العالم دائما غير مكتملة. على سبيل المثال، لماذا أصبح العجز في تجارة السلع أصغر بكثير الآن مما كان عليه قبل عقد من الزمن؟ في الحقيقة قد يرجع ذلك جزئيا نتيجة لفقدان الثقة في قدرة البنوك الأمريكية على تصنيع الأصول الآمنة من القروض العقارية. لكن من المرجح أن يكون قد حدث ذلك نتيجة لسلع نفسها حيث بدأ الغاز الطبيعي على سبيل المثال في لعب دور هام منذ أن بدأت شركة شيناير انيرجي بتصديره من محطتها في لويزيانا العام الماضي مما أثر بالطبع على تجارة النفط. العجز التجاري الأمريكي في السلع لا يرتبط فقط بالنفط والغاز أو بنسبتهم من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الميزان التجاري للنفط والغاز، الذي كان يمثل 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع من عام 2004، يقترب الآن من الصفر، وجميع المؤشرات تشير إلى أنه سوف يتحول إلى نتيجة إيجابية قريبا.
كل هذه الأمور لا تعني أن رفع التعريفات وإثارة الحروب التجارية هي بالضرورة فكرة جيدة ولكن يبدو أنها مؤشر على أن العجز التجاري يتم تفسيره فقط من حيث اقتراض الولايات المتحدة أو شراء الأصول الأمريكية من قبل الأجانب (وهو الشيء نفسه ولكن كما هو ملاحظ يحب الناس أن يقدموا تفسيرات مختلفة). من وجهة نظر السياسة المالية والحكومية الأمريكية، فإن هذه الطفرة قد أعطت فترة راحة جيدة من الظروف غير المتوازنة التي ساعدت على جلب الأزمة المالية في عام 2008 ومكنت الحكومة من إدارة عجوزات مالية أكبر مع ضغوط مالية أقل، وربما ساعدت في إبقاء الاقتراض من القطاع الخاص تحت السيطرة بعد سنوات من الزيادة السريعة. لقد جعل ذلك مهمة باراك أوباما أسهل وسهل بالطبع من مهمة دونالد ترامب. إلا أنه من المحتمل جدًا أن يكون لها عواقب بعيدة المدى على البيئة وغيرها من الصناعات التي ليست كبيرة ولكن في الوقت الراهن، من الصعب أن نزعزع الانطباع بأن الميزان التجاري للسلع هو ما يبقي الاقتصاد الأميركي واقفا على قدميه.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.