الإمارات والصومال

الرئيسية مقالات
بقلم رئيس التحرير د.عبد الرحمن الشميري

الإمارات والصومال

طوال عقود، بدت الصومال البلد الجريح الذي مزقته الصراعات والاقتتال والظروف الصعبة التي فاقمت معاناة شعبه، أشبه بوكر الدبابير، من شدة الأيادي التي تعبث وتحاول التدخل لتحقيق أهدافها، لكنها لم تمتلك القدرة على الاقتراب مع التدهور الكارثي في الظروف والانهيارات التي أتت على جميع مقومات الدولة دون استثناء، وبات مصطلح “الصوملة” حتى اليوم يستخدم كناية عن الدول الفاشلة أو التي تشهد أزمات واقتتال وحروب.
لكن كل هذا لا يلغي وجود شعب يدفع الضريبة الكارثية من دمه وأجياله ومستوى معيشته التي لم يعد لها أي مقومات، جراء هذه الأزمات والنكبات المتسارعة التي لم ترحمه فيها حتى الطبيعة يوم سلطت غضبها لتترك الملايين أسرى تهديد وجودي جراء المجاعات التي حلت بالبلد الذي لم يعد يمتلك مع كل تلك النكبات من مقومات الحياة شيئاً، خاصة أنها لم تكن أزمات قصيرة ولا عابرة، بل غرق في مستنقع الفشل لسنين طويلة.
خلال ذلك بات الصومال بؤرة خطرة تسبب أزمات ومصدراً للقلق، فالمليشيات والإرهاب والقرصنة والخطف والكثير من الأوبئة التي انعكست مآس على حياة أبنائه، بدا أن علاجها يحتاج معجزة لا تبدو ممكنة، وكان عنوان المأساة الأبرز كما لو أن شعباً ترك لمصيره القاتم.
وحدها الإمارات انطلاقاً من دورها التاريخي في نجدة الأشقاء وإغاثتهم من مسؤولياتها الإنسانية تجاه كل ملهوف، كانت تتلمس الجروح في جسد الصومال المنهك، وعلى غرار كل مكان هرب منه الجميع أو تجنبوا الاقتراب، كان اتخاذ الموقف التاريخي بالعمل على انتشال الصومال من ما هو فيه، ورغم ثقل المسؤولية لكن أبناء زايد لم يهابوا التحديات يوماً ولم يخشوا في الحق شيئاً، سارعوا للتكفل بالمهمة، فالصومال الذي زاره القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان “طيب الله ثراه” في سبعينيات القرن الماضي، أيقن مبكراً وقبل انفجار الكم الهائل من الأزمات، أنه مقبل على مرحلة خطرة ، ودعا إلى ضرورة التعاون الدولي لتجنيبه الوصول إليها، وكان ذلك انطلاقاً من نظرته الثاقبة والبعيدة المدى التي تستشرف القادم بحس القائد التاريخي.
المساعدات شملت جميع مناحي الحياة بدءاً من الإغاثية العاجلة وإرسال فرق الهلال لإيصالها للمستهدفين والتي تعرضت لتعديات الغدر والإرهاب ولن يثنيها هذا عن واجبها، وبناء المستشفيات والمدارس، والعمل على تأهيل قوات أمن وجيش وطني لحفظ أمن الصومال ومواجهات التحديات الخطرة، وتأهيل فرق وطنية لمكافحة الإرهاب وإنهاء ظاهرة القرصنة واستعادة أمن المياه الصومالية، وكان لتلك الجهود أفضل الأثر والفضل في القضاء التام عليها، وبالتالي إنهاء ظاهرة خطيرة ارتكبها مجرمون استغلوا غياب سلطات الدولة والقانون، واستمرت كافة جهود دعم مقومات قيام الدولة، وكللت بإطلاق صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله” حملة “لأجلك يا صومال”، والتي جمعات 165 مليون درهم تبرعات للأشقاء بينت مواقف شعبنا الأصيلة، وكذلك عملت الإمارات على دعم كل توجه دولي يصب في خدمة الصومال وشعبها، كل هذا إن قوبل لاحقاً من قبل مرتهنين بنكران الجميل، لكنها تبقى جماعات مارقة تعمل لمصالح ضيقة وترتهن كغيرها لمن لا يريدون خيراً للصومال ويستخدمون كل المحظورات لتعطيل مساعي الخير.
الإمارات قبلت تحدٍ يتهيبه حتى الكبار، ورأت أن الحل يحتاج إلى إعادة بناء الصومال ومؤسساته الوطنية الجامعة وبنى تحتية ومنشآت أساسية للتخفيف عن الأشقاء، ونادراً ما حدثنا التاريخ عن دولة سارعت للتأسيس لبناء دولة ثانية كما فعلت الإمارات.. التاريخ المشرق لن تختصره الكلمات ولا المجلدات ، لكنه واجب على كل من حمل أمانة القلم أن يوضح ويبين للأجيال مواقف الشرف الإنسانية، وسنسعى بدورنا ما أمكن لنسلط الضوء على جهود الإمارات و نقدم صورة واضحة وشاملة تعطي فكرة عن الدعم اللامحدود منذ زمن طويل.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.