“الترامبية”

مقالات
سمير اسكندر اصطفان: كاتب سوري

 

 

 

هل يمكن أن ينهي العالم عامه الحالي وقد بات صاحب القرار في أقوى دولة  سياسياً وعسكرياً واقتصادياً على وجه الأرض شخصاً على غرار المرشح الجمهوري المثير للجدل دونالد ترامب؟.

صرخات رعب تحذيرية مدوية تتناقلها عدد من دول العالم على غرار الاتحاد الأوروبي من وصول المرشح الأكثر غرابة في تاريخ الانتخابات الأمريكية وربما يكون الرئيس الـ45 للولايات المتحدة مقامراً بمستقبل العالم.

في مواجهة المرشحة الأكيدة للديمقراطيين هيلاري كلينتون والمفتقدة للشعبية اللازمة، يقترب ترامب لينال ترشيح الجمهوريين “بقوة الأمر الواقع″، والأغرب أن بعض الأصوات الجمهورية التي كانت تحذر من ترشيح ترامب على الحزب الجمهوري، قد باتت تلمح لدعمه حفاظاً على وحدة الحزب، وبالتالي عوضاً عن أن يكون ترامب سبباً في توحيدهم لإقصائه، بات العكس هو الحاصل أي “دعم ترامب لحفظ وحدة الحزب الجمهوري”!

بكل المقاييس ترامب يتقدم بنيل “لوبيات” قوية ذات تأثير بالغ في المشهد الأمريكي واستقطاب الناخبين، فهناك شركات السلاح التي حسمت أمرها بدعمه، وأتى إعلان رئيس مجلس النواب الأمريكي الجمهوري بول راين بإعلان مماثل عن دعم ترامب ليصب في نفس الاتجاه ويعزز بمزيد من الترقب والتشاؤم إمكانية حدوث تحول في انتخابات عودت العالم على مفاجآت من العيار الثقيل في عدة دورات، منذ عهد الرئيس الأمريكي الذي قتل لاحقاً جون كنيدي ومروراً برونالد ريغن الذي أطاح بكارتر وصولاً إلى الرئيس الحالي باراك أوباما وانتهاء بسيد أو سيدة البيت الأبيض القادم فيما لو كان “المهرج” ترامب كما يحلو للبعض تسميته جراء مواقفه وردات فعله، أو هيلاري كلينتون كأول سيدة تكون صاحبة القرار في “البيت الأبيض”، وإن تكفل الثمانيني بيرني ساندرز بقطع أنفاسها والفوز بجولات كثيرة بينت قابلية انهيار صاحبة التاريخ السياسي الطويل من زوجة حاكم ولاية ثم رئيس لدورتين ثم وزيرة للخارجية، لكن هذا الإرث يحمل ايضاً بين طياته عقداً قد تكون مدمرة لها، ولا تزال تثقل انطلاقتها نحو الرئاسة من قبيل موقفها حيال اتهام زوجها بالتحرش وإقامة علاقات عديدة وهو ما احتسبه البعض استغلالاً، وكذلك استخدام البريد الإلكتروني الخاص وأحداث ليبيا، والحديث عن صفقات بالملايين وغيرها.

حديث كثير يقال حول الانتخابات الأمريكية القادمة، لكن شيئاً أساسياً مفقوداً في مكان ما بكلا المرشحين، فلا ترامب يعطي ثقة أو قناعة ليكون الرئيس القادم ولا هيلاري تملك الزخم اللازم، بعد حقبة أوباما التي رسخت نهج ما يعرف بـ”القيادة الأمريكية من الخلف”، والمهادنة لدرجة “الانسحاب” من بعض الملفات وهو الذي أثار استياء حول العالم تجاه التعامل الأمريكي الواجب والذي كان معتاداً مع ملفات تعتبر خطوطاً حمراء، وإن كان العذر تجنب الغرق في حروب خارجية مجدداً لكنه بطريقة أو بأخرى بين تراجع الدور الأمريكي لصالح جهات ثانية سارعت للتدخل حفاظاً على مصالحها وأوراق نفوذها، وبالتالي هذه الصورة التي تستهجنها شريحة واسعة لم تعتد هكذا مواقف من القوة العظمى الأولى في العالم، وهنا تأتي حظوة ترامب لاقتناص أصوات الغاضبين والمترددين الذين لم يحسموا خياراتهم بعد في مجتمع قد يرفض تكرار تجربة “العائلات الرئاسية” بعد تركة عائلة بوش وإخراج آخر مرشحيها -جيب بوش – بضربات قاضية من بداية الطريق، فضلاً عن افتقاد هيلاري لكاريزما زوجها وشعبيته في بداية التسعينيات من القرن الماضي وتمكنه من هزيمة جورج بوش الأب.

اليوم هناك مرشح “غاضب مستهتر انفعالي تصادمي” يحمل من التعصب لدرجة معاداة فئات من الشعب الأمريكي كالمهاجرين اللاتينيين ومعادة الإسلام الذي يدين به أكثر من 1.6 مليار إنسان حول العالم، ويحمل من المواقف الغريبة ما يثير العجب والاستهجان في أرجاء المعمورة، لكن تلاعبه على الروتين وتجاوزه كل الأمور المعتادة والمنافسات قد أحدث صدمة غريبة في مجتمع منقسم أصلاً حول الخيارات الواجبة خصوصاً في حقبة أوباما.

ترامب يبدو من وضعه كملياردير نموذجاً للأمريكي العادي، الذي أبهر أتباعه ومعارضيه سواء تعاطفاً أو رفضاً لدرجة مهاجمة حملاته والتصادم معها، ويتعامل مع كل شيء بنظرة استعلائية مفعمة بالغرور والتكبر تجاه الجميع بحيث لا يفهم كيف يمكن أن يفوز أو يصل ويقدم نفسه كرئيس أمريكي  يعطي ثقة للمجتمع الدولي برمته لأن قوة ونفوذ ومركز الولايات المتحدة ينعكس على الكثير من الدول.

ومع عدم بروز شخصية قوية  “مستقلة” حتى اليوم يمكن أن تستفيد من الشروخ في جدران المرشحين –ترامب وهيلاري- كيف يمكن تصور رئيس أقوى دولة في العالم وهو يعمل على تنفيذ وعوده الانتخابية التي يفترض أن يصل على أساسها إلى سدة الرئاسة:

طرد 11 مليون مهاجر من الولايات المتحدة، وبناء جدار مع المكسيك، ومعاداة 1.6 مليار مسلم، وفتح العلاقات مع رئيس كوريا الشمالية، تقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المنافس الأكبر لسياسة واشنطن خاصة في المنطقة، وموقفه من السود ودعم مواقف الشرطة التي فسرت الكثير منها أنها -قتل عنصري- ترحيل السوريين ومنع وصولهم الولايات المتحدة، وغير ذلك كثير مما يصعب حصره بسطور قليلة.

أخيراً كيف يمكن أن يكون صاحب هذه المواقف وأكثر منها “لطيفاً”؟ حيث يحلو لـ”مستر ترامب” كما يحب أن يناديه الآخرون أن يصف نفسه بـ”اللطيف”، وفي آخر إصداراته “أمريكا المريضة” يقول ترامب “أنا رجل لطيف، أشعر بالفخر لكوني رجل لطيف… ويا له من لطيف.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.