تداعيات تصاعد الإرهاب البحري في منطقة الشرق الأوسط

الرئيسية مقالات
محمد عبدالله يونس مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

لم تعد تهديدات الإرهاب البحري مجرد سيناريوهات افتراضية تطرحها المؤسسات البحثية ومراكز الإنذار المبكر العالمية، فعلى نقيض المقولات السائدة حول ضعف احتمالية قيام التنظيمات الإرهابية بعمليات تستهدف حركة الملاحة البحرية مقارنة بتهديدات القرصنة التقليدية، تصاعدت كثافة عمليات الإرهاب البحري في الآونة الأخيرة.
وباتت العمليات الإرهابية تستهدف تدمير السفن والسيطرة على الموانئ وحركة الملاحة عبر المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية خاصة مع ما شهدته التنظيمات الإرهابية في مختلف دول العالم طفرة غير مسبوقة على مستوى نوعية التسليح، والهيكل التنظيمي، وقدرات الكوادر القتالية والاستراتيجيات التي تتبعها خلاياها، وطبيعة العمليات غير التقليدية التي تقوم بتنفيذها في ظل نزوع تلك التنظيمات للإحلال محل الدولة، وتأسيس دويلات جهادية ممتدة عبر الحدود بين الدول، وتأسيس منظومات عسكرية متكاملة تكاد تحاكي الجيوش النظامية في بعض جوانبها.
ولذلك كان الاتجاه لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف حركة الملاحة البحرية والسفن والموانئ بصورة مستقلة عن أنشطة القرصنة البحرية التقليدية، وهو ما أدى لإثارة الجدل حول تجليات الإرهاب البحري المتصاعدة في الآونة الأخيرة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ومدى جدوى سياسات مكافحة الإرهاب البحري التي تتبعها دول العالم في مواجهة التحولات غير المسبوقة في الأنشطة البحرية للتنظيمات الإرهابية.
أولاً: تطور عمليات الإرهاب البحري
يعرف مجلس التعاون الأمني في آسيا والمحيط الهادي (Council for Security Cooperation in the Asia Pacific) الإرهاب البحري على أنه “تنفيذ أنشطة عدوانية تجاه أي من أركان البيئة البحرية، التي تشمل السفن والموانئ والشواطئ السياحية ومنصات استخراج البترول ومعامل تكريره ومسارات تصديره وأطقم السفن والمسافرين لتحقيق غايات سياسية” وهو ما يميز الإرهاب البحري عن القرصنة باعتبار أن الغاية الرئيسية لأنشطة القرصنة البحرية هي تحقيق مكاسب مادية لصالح عصابات القرصنة، سواء عبر الاستيلاء على السفن والتكسب من بيع البضائع التي تنقلها أو الحصول على فدية مادية مقابل الإفراج عن الأسرى من طاقم السفن، بينما تتركز غاية التنظيمات الإرهابية في إيقاع أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية بكل ما يتعلق بالملاحة البحرية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
ويفتقد هذا التعريف لإدراك التحولات الديناميكية في طبيعة الأنشطة الإرهابية، ووجود نماذج للتداخل بين أنشطة التنظيمات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظمة والقرصنة، حيث أضحت التنظيمات الإرهابية تؤدي أنشطة وعمليات شبيهة بعمليات القرصنة البحرية تستهدف تعظيم مواردها المادية اللازمة لاستقطاب مزيد من الكوادر والحصول على أسلحة غير تقليدية لتعزيز قدراتها العسكرية.
كما يتسم الإرهاب البحري بعالمية نطاقه بالمقارنة بالقرصنة البحرية، التي يرتكز نشاطها في محيط الممرات الملاحية الاستراتيجية في بعض البؤر، مثل الساحل الصومالي ومضيق ملقا وفي المناطق القريبة من خطوط السواحل التي تتمركز فيها عصابات القرصنة، بينما لا تتقيد أنشطة الإرهاب البحري بنطاقات محددة باستثناء ارتباطها بمناطق تمركز الخلايا الإرهابية في شتى دول العالم.
ثانياً: الأنماط الجديدة للإرهاب البحري
تصاعدت وتيرة أنشطة الإرهاب البحري في الآونة الأخيرة على المستويين الإقليمي والعالمي بحيث باتت تهدد حرية الملاحة العالمية عقب تراجع كثافة أنشطة القرصنة البحرية عالمياً، وفق إحصاءات المكتب البحري الدولي، حيث لم تتجاوز عدد هجمات القرصنة البحرية عالمياً في عام 2014 سوى 245 عملية قرصنة بالمقارنة بحوالي 410 عمليات في عام 2009 و445 عملية قرصنة عام 2010.
وفي هذا الصدد أشار تقرير “خريطة المخاطر العالمية 2015” الصادر عن مؤسسة ضبط المخاطر (Risk Control) إلى أن التراجع النسبي لأنشطة القرصنة عالمياً جاء مصحوباً بصعود ملحوظ لعمليات الإرهاب البحري، واتخذت هذه الموجة الصاعدة عدة أنماط يتمثل أهمها فيما يلي:
-1 مهاجمة القوات البحرية: أضحت بعض التنظيمات الإرهابية قادرة على تنظيم عمليات إرهابية نوعية تتمثل في الاستهداف العسكري المباشر لزوارق الدوريات التابعة للقوات البحرية النظامية على غرار هجوم أربعة قوارب تقل عناصر إرهابية تقدر بحوالي 32 فرداً لوحدة مرور من القوات البحرية قبالة سواحل مدينة دمياط في 12 نوفمبر 2014، مما أسفر عن فقدان 8 أفراد وإصابة 5 من عناصر القوات البحرية قبل أن تتدخل وحدات من القوات البحرية والجوية وتقوم بتدمير القوارب المهاجمة والقبض على العناصر الإرهابية، فضلاً عن التحفظ على سفينة تجارية روسية أمام المدخل الشمالي لقناة السويس والتحقيق مع طاقمها حول مدى صلتهم بالهجوم، فضلاً عن التحقيق مع بعض عناصر القوات البحرية حول ملابسات الحادث.
-2 السيطرة على الموانئ: أضحت التنظيمات الجهادية تسعى للسيطرة على الموانئ الساحلية، كي تتمكن من التحكم في حركة الملاحة المارة بها، فعلى الرغم من سيطرة القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الصومال على مدينة براوي في مطلع أكتوبر 2014 التي تعتبر أهم مناطق تمركز حركة شباب المجاهدين والميناء الوحيد الذي تسيطر عليه الحركة، فإنها استعادت السيطرة على جزيرة كوطا في جنوب الصومال قبيل منتصف نوفمبر 2014 بعد قتلها ما يقل عن 25 جندياً صومالياً في هجوم مباغت، مما أدى لانسحاب القوات الصومالية، واستعادة الحركة السيطرة على الجزيرة التي كانت بمنزلة المرفأ الأهم للحركة والذي فقدته على أثر التدخل العسكري لكينيا لدعم القوات الحكومية الصومالية.
الأمر ذاته ينطبق على ليبيا التي شهدت اشتباكات طاحنة بين ميليشيات فجر ليبيا المتطرفة التي تسيطر على العاصمة طرابلس والجيش الوطني الليبي للسيطرة على ميناء طرابلس في نوفمبر 2014 وهو ما تبعه إعلان المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا في 14 ديسمبر 2014 فرض حالة القوة القاهرة على مينائي السدرة ورأس لانوف في الشرق نتيجة احتدام المعارك واستهداف فجر ليبيا لمنشآت تصدير النفط في تلك الموانئ، ولا ينفصل ذلك عما شهدته موانئ السدر والبريقة ورأس لانوف شرق ليبيا حينما سيطرت ميليشيات متطرفة وجماعات إرهابية على منشآت تخزين النفط في مارس 2014 وشرعت في تصدير ما يقارب 700 ألف برميل من النفط بشكل مستقل عن مؤسسات الدولة الليبية.
-3 القرصنة البحرية: اتجهت جماعة شباب المجاهدين في الصومال للإفادة من نهج تنظيم “داعش” في الاعتماد على التمويل الذاتي، خاصة عقب تضاؤل الموارد المالية لتنظيم القاعدة، وتشديد الإجراءات الأمنية على التدفقات المالية العابرة للحدود، حيث كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز في منتصف يونيو الفائت إلى أن حركة شباب المجاهدين نجحت في تعزيز استقلالها المالي عن القاعدة بالاعتماد على عمليات الاختطاف والقرصنة وتصدير الفحم إلى دول الجوار بحيث أصبحت مواردها المالية الذاتية تقارب حوالي 100 مليون دولار سنوياً.
وفي السياق ذاته أشار تقرير مجموعة المراقبة الصومالية الإريترية التي تشرف على الالتزام بعقوبات الأمم المتحدة الصادر في منتصف أكتوبر الفائت إلى أن حركة الشباب الصومالية بالتعاون مع القبائل في جنوب الصومال زادت من تصديرها للفحم عبر موانئ كسمايو وبراوي، حيث رصد التقرير تصدير حوالي 161 شحنة من الفحم تم تصديرها من الصومال بصورة غير شرعية، وفي هذا الصدد بلغت قيمة الفحم الذي تم تصديره في الفترة بين عامي 2013 و2014 ما قيمته 250 مليون دولار(.
-4 استهداف الممرات الملاحية: أضحت التنظيمات الإرهابية تمتلك منظومات تسلح غير تقليدية قادرة على تنفيذ عمليات إرهابية تعرقل حركة الملاحة عبر المضايق والممرات البحرية الاستراتيجية، حيث أحبطت قوات الجيش الثاني الميداني في 7 فبراير 2015 مخططاً لمهاجمة حركة الملاحة عبر قناة السويس بصواريخ جراد، وهو ما سبقه القبض على خلية إرهابية في 10 يناير 2015 كانت تخطط لتنفيذ عمليات في محيط قناة السويس، الأمر ذاته ينطبق على مخططات التنظيمات الإرهابية في إندونيسيا في فترات سابقة لعرقلة حركة الملاحة عبر مضيق ملقا بتفجير سفينة تجارية عملاقة بعرض المجري الملاحي الضيق مما يتسبب في خسائر عالمية غير مسبوقة.
ثالثاً: إجراءات مواجهة التهديدات
دفعت التحولات سالفة الذكر في نشاط التنظيمات الإرهابية لمراجعة مختلف دول الشرق الأوسط لإجراءاتها الأمنية لتعزيز الأمن البحري، وهو ما اتضح في تحذيرات سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية خلال “مؤتمر مكافحة القرصنة البحرية” في 28 أكتوبر 2014 من التهديدات الجديدة المتمثلة في تحالفات التنظيمات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة وشبكات الاتجار بالسلاح، بهدف الوصول بعملياتهم إلى البحر، وتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وخليج عدن.
وتتمثل أهم تجليات تصاعد الاهتمام الدولي بالإرهاب البحري في كثافة عمليات اتجاه فرقاطات تابعة للقوات البحرية الدائمة لحلف شمال الأطلسي إلى الدار البيضاء في سبتمبر 2014 لإجراء مناورات بحرية في إطار عملية “أكتيف أنديفور” المرتبطة بمكافحة الإرهاب البحري والتي تشارك فيها كل من إيطاليا وبلجيكا وتركيا وإسبانيا وألمانيا واليونان وبريطانيا لحماية الملاحة البحرية في البحر المتوسط من العمليات الإرهابية.
كما أعلنت مديرية حرس الحدود في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية في 13 أكتوبر 2014 عن تشكيل قوة تسمى “أمن وحماية المرافق البحرية” بهدف حماية الحقول النفطية والمنشآت الحيوية البحرية في المنطقة التي تعد أكبر منطقة نفطية في البلاد، خوفاً من تسلل الإرهابيين إليها، وتتكون هذه القوة من ثلاث وحدات هي “وحدة الحماية البحرية، وحدة الحماية المحمولة، ووحدة الحماية الساحلية”، وأعلنت المديرية عن “انتقاء نخبة من الضباط والأفراد ذوي الخبرة الميدانية والإدارية وتدريبهم داخل وخارج المملكة بواسطة خبراء دوليين بالتعاون مع معهد حرس الحدود البحري”.
ملاحظات ختامية:
إجمالاً يمكن القول إن تصاعد الإجراءات الاحترازية لمواجهة تهديدات الإرهاب البحري ينبغي أن يأخذ في الاعتبار التحولات التي لحقت بالمنطلقات الاستراتيجية للتنظيمات الإرهابية التي يتمثل أهمها في عدم الاقتصار على مهاجمة حركة الملاحة البحرية والسعي للسيطرة على الموانئ ومنشآت تصدير النفط وممارسة أنشطة القرصنة البحرية والاتجار غير المشروع في السلع والبترول، بهدف تعزيز مواردها المالية.
ويرتبط ذلك باكتساب تلك التنظيمات قدرات عسكرية وتسليحية تمكنها من استهداف حركة السفن والمنشآت الملاحية من دون الاعتماد على التفجيرات الانتحارية التقليدية والقوارب المملوءة بالمتفجرات من خلال الصواريخ قصيرة المدى العابرة للمدن التي باتت تسيطر عليها التنظيمات الإرهابية في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، وأخيراً فإن أهداف التنظيمات الإرهابية تجاوزت مرحلة العشوائية وباتت تتسم بالانتقائية على غرار استهداف، وتعطيل حركة الممرات الملاحية الأكثر حيوية، مثل قناة السويس وخليج عدن ومضيق ملقا وسواحل الدول المطلة على المحيط الهندي.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.