التكلفة الاقتصادية والأمنية لتصاعد التهديدات الكاذبة

الرئيسية مقالات
خالد عكاشة محاضر التخطيط الاستراتيجي بأكاديمية الشرطة بالقاهرة

أضحت “التهديدات الكاذبة” إحدى أهم الظواهر عالمية الانتشار في الآونة الأخيرة، التي تحظى باهتمام غير مسبوق بالنظر إلى تداعياتها الأمنية والإدارية والتكاليف الاقتصادية والمالية المترتبة عليها.
وقد أثار ذلك جدلاً متصاعداً حول كيفية تمييز التهديدات والمخاطر الحقيقية من نظيرتها المزيفة، وسُبل التصدي لتزايد التهديدات والإنذارات الكاذبة، التي تستنزف قدرات المؤسسات الأمنية وقد تتسبب في الإخفاق في مواجهة التهديدات الأكثر خطورة.
أولاً: الأركان الرئيسية للتهديدات الكاذبة
تلقت السلطات الأمنية لمطار “جون كينيدي الدولي” في الخامس من يوليو عام 2010، اتصالاً هاتفياً يحذر من وجود قنبلة بالمبني رقم 1 بالمطار، مما دفع القيادات الأمنية المسؤولة عن المطار إلى اتخاذ قرار فوري بإغلاق المبنى وإخلائه من المسافرين، واستدعاء وحدات الطوارئ، إلا أنه تبين فيما بعد عقب مرور ساعتين ونصف الساعة من الإجراءات الأمنية المكثفة للكشف عن المتفجرات أنه مجرد إنذار كاذب.
لم تكن هذه الحادثة السابقة الأولى على مستوى التهديدات الكاذبة في الولايات المتحدة بالنظر إلى تعدد وانتشار تلك الإنذارات، والتي كان آخرها في 24 يناير 2015 الرسائل المتداولة على موقع تويتر، التي حذرت من وجود متفجرات على إحدى الطائرات بمطار هارتسفيلد جاكسون اتلانتا الدولي، مما أدى لإغلاق خمسة مدارج لهبوط الطائرات وإجراء تفتيش دقيق للمطار ووقف حركة الملاحة الجوية لساعات قبل التأكد من أن الإنذار كاذب وغير حقيقي.
تعد هذه الوقائع بتفصيلاتها وخطوات التعامل معها من قبل الجهاز الأمني المسند إليه مهمة تأمين المطارات المشار إليها، أحد أهم نماذج ما يمكن أن يطلق عليه التهديدات الكاذبة بشمولها كل أركانه المركزية، ومن ثم من الضروري تحديد ماهية التهديدات الكاذبة وأركانها الرئيسية وأبعادها المتداخلة، باعتبارها من أهم الظواهر المثيرة للجدل، حيث تتمثل أهم أركان التهديدات الكاذبة فيما يلي:
-1 الخبرات السابقة: على الرغم من درجة التأهب والاستعداد التي تصاحب أنواع التهديدات المختلفة من قبل القوات الأمنية والمعنيين بالتعامل معها، فإنه يلاحظ أن درجة التأهب والاستعداد تتزايد بشكل كبير في حالة إذا ما تشابه محتوى التهديد مع حادث سبق وقوعه من قبل، وأدى إلى حدوث خسائر هائلة في الأرواح والممتلكات، وهو ما يعزوه البعض إلى تأثير الخبرات السابقة والصورة العقلية.
-2 تهديد عام: يفترض في التهديد الكاذب أن يوجه إلى مكان أو أشخاص لهم صفة العمومية، وهو ما يجعله يختلف كلياً عن التهديد الخاص الذي له وضعيته المحددة، وملابساته كواقعة منفصلة عن سياق العمومية حتى لو تبين كذبه فيما بعد، ويرتبط ذلك بأن تلك النوعية من التهديدات تعتمد على اختيار أماكن ذات درجة عالية من الأهمية والحساسية، ومن ثم يتم التعامل مع التهديد بأكبر قدر ممكن من الجدية.
-3 محتوى كاذب: يعد المحتوى الكاذب الركن الثالث من أركان التعريف، إذ يتم اكتشاف كذب محتوى الرسالة، وغالباً ما يتم هذا بعد إجراء الاستعدادات اللازمة للتعامل مع محتوى التهديد، وهو ما يؤدي إلى تكبد خسائر مالية، بل وقد يؤدي أيضاً إلى تكبد خسائر بشرية، فقد يصرف الانتباه والاستعدادات إلى مكان بعينه، بينما يتم تجاهل التهديدات الأكثر إلحاحاً وخطورة في مكان آخر فيما يمكن اعتباره تشتيتاً للانتباه.
ثانياً: أسباب تزايد التهديدات الكاذبة
تزايدت في الآونة الأخيرة العمليات الإرهابية، كما تنوعت أشكالها وأنواعها، ويرتبط ذلك بعدد من الموجات الاحتجاجية التي تستخدم بعض مظاهر العنف ضد الدولة وأجهزتها الأمنية، وقد تتزايد لتصل إلى ما يعرف بحرب الميليشيات المسلحة المحترفة، وما بين الدرجتين تتعدد صور وأشكال التهديدات المختلفة، التي أصبحت عنواناً للمرحلة، كما أن المنطقة العربية أصبحت تصنف ضمن أخطر مناطق حزام التهديد بأكثر من دولة، وتنوعت وتطورت الأسلحة التي يتم استخدمها من قبل الجماعات التي تتبنى العنف، حيث وصلت– على سبيل المثال– في بعض الدول إلى حد استخدام المعدات العسكرية المتوسطة والثقيلة في صور تهديدها تنظيم “داعش” و”قوات فجر ليبيا” و “جماعة الحوثيين”.
ويرتبط هذا بانتشار واسع النطاق في استخدام العبوات الناسفة بكل تفريعاتها من زرع لتلك العبوات أو تلغيم مكان أو تفخيخ سيارات، نظراً لأنه يعتبر السلاح “الأرخص كلفة” والأكبر تأثيراً في إيقاع الضحايا وإحداث الدمار المطلوب، ومن ثم يمكن القول إن تلك الموجة الإرهابية المنتشرة في المنطقة قد تميزت بملمحين رئيسيين: أولهما وقوع أنواع متطورة من العتاد العسكري في أيدي التنظيمات مثل الدبابات والمدرعات والصواريخ متوسطة المدى والقاذفات المحمولة، وثانيهما هو التوسع الكبير في استخدام أسلوب التفجير بعبوات جاهزة، مثل الألغام والديناميت، أو بعبوات مصنعة يدوياً عبر التدريب على تجهيزها بموادها الأولية.
ومن الملحوظ كذلك أنها توسعت كثيراً في استخدام النوع الثاني وهو “العبوات الناسفة”، ليشمل أنواعاً متعددة من الأهداف يدخل في نطاقها بصورة كبيرة المنشآت الحيوية والمدنيون والمقار والأماكن التي يتوقع وجودهم فيها، وهنا يصبح للتهديد وقع أخطر.
ويتزامن ذلك مع تزايد عدد البلاغات والإنذارات الكاذبة التي تتناول في الغالب النوع الثاني من التهديدات، ويجب ملاحظة أن التهديد الكاذب تصاحبه التأثيرات السلبية كافة التي تصاحب التهديد الحقيقي فيما عدا جزئية وقوع ضحايا أو إحداث خسائر مادية، وتتزايد التكلفة المادية والمعنوية، خاصةً مع تزايد إطلاق هذه الأنواع من الإنذارات الكاذبة.
وفي هذا السياق تقدر إحصاءات مصلحة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية في مصر متوسط عدد البلاغات التي تتلقاها إدارة المفرقعات بالقاهرة يومياً بحوالي 50 بلاغاً شهرياً، أي ما يقدر بنحو 600 حالة شهرياً، وقد تزيد في حالة تصاعد الزخم الذي يشهده الوضع السياسي، ومعظم تلك البلاغات يُكتشف أنها سلبية أي تهديدات كاذبة، ويكون ذلك بالاشتباه في السيارات المتروكة أو المجهولة وهذه تبلغ نسبتها نحو %70 من البلاغات لشيوع استخدام السيارات في زرع العبوات بداخلها في الآونة الأخيرة.
يصاحب ذلك الاشتباه فيما يمكن أن يطلق عليه الأجسام الغريبة، وهي تشمل الاشتباه في أكياس القمامة أو الحقائب بأنواعها وغيرها من الأشكال المماثلة، وتشكل مجتمعة ما يعادل %30 من تلك البلاغات، فيما يبلغ عدد البلاغات الحقيقية (الإيجابية) ما يعادل 5 إلى 10 بلاغات، وذلك بعد تأكيد الفحص المتخصص لكونه تهديداً كاذباً، وذلك حسب تصريح مدير إدارة المفرقعات بالقاهرة في مارس 2014.
وأكد مدير الإدارة العامة لشرطة النجدة بالجيزة في يناير 2015 أنه يتم تلقي حوالي 300 بلاغ يومياً، بينهم 200 بلاغ كاذب، وهو ما يؤدي إلى تشتيت جهود الشرطة، وصرف انتباههم عن التهديدات الحقيقية، وفيما يتعلق بالبلاغات المتعلقة بوجود مفرقعات، فقد أكد أن الإدارة قد تلقت في شهر سبتمبر 2014 ما يقدر بحوالي 80 بلاغاً، بعضها يحتوي على تهديد حقيقي، فيما تحتوي أغلبية البلاغات على تهديدات كاذبة.
ثالثاً: مسارات انتقال التهديدات
يصل البلاغ بوجود تهديد ما في أحد الأماكن إلى الجهاز الأمني عبر ثلاثة مسارات، يتم بعدها انتقال المجموعة الأمنية المختصة إلى المكان محل التهديد لبداية الفحص وإزالة سبب التهديد، وتتمثل تلك المسارات في:
-1 المسار الأول: يمثل هذا المسار الغالبية العظمى من البلاغات التي تنقل المعلومة بوجود مصدر تهديد إلى الجهاز الأمني، حيث وصل عدد البلاغات التي تسلك هذا المسار ما يعادل %85 من البلاغات، وتتم عن طريق الاتصال المباشر من قبل المواطنين بالجهاز الأمني بوسائل الاتصال كافة، ويحتل بالطبع الاتصال التليفوني بغرف عمليات النجدة، أو غرف عمليات إدارات الحماية المدنية، أو أقسام الشرطة، النسبة الأكبر داخل هذا المسار، وذلك بسبب حرص الأجهزة الأمنية في بلدان العالم كافة على نشر أرقام تليفونية مختصرة لتلك الغرف الأمنية المختصة بتلقي إخطارات وبلاغات المواطنين عن تهديدات خاصة بزرع قنابل أو عبوات، وأيضاً تشمل بلاغات أخرى، كالحريق والشكاوى وغيرها مما قد يحتاجه المواطن من تدخل للأجهزة الأمنية.
ويشمل هذا المسار أيضاً الاتصال عبر وسائل أخرى كالبريد والبرق والفاكس ووسائل التواصل الإلكترونية لكن تظل تلك الحزمة تشكل نسبة محدودة للغاية، ليبقى الاتصال التليفوني هو الوسيلة الأبرز في هذا المسار، والذي يستدل الجهاز الأمني خلاله عن التفصيلات الدقيقة المتعلقة بالمكان والملابسات، وأيضاً تسجيل البيانات الشخصية للمبلغ لضمان جدية الاتصال، بعد انتهاء تلك المرحلة مباشرة تنقل غرفة العمليات تلك المعلومات بعد جدولتها أمنياً إلى الأجهزة المتخصصة للانتقال إلى المكان لفحص وإزالة التهديد، وتبقى غرفة العمليات في حالة متابعة لخطوات الانتقال والتعامل حتى النهاية، وتظل في جاهزية التنسيق لتقديم الدعم لمكان التهديد في حالة احتياج الموقف لمثل هذا الإجراء، وتصل غرفة العمليات إلى نقطة النهاية بتسجيل إيجابية البلاغ أو اكتشاف كذبه بعد فحصه، وهنا تصدر التعليمات للمجموعة الأمنية الموجودة بمكان البلاغ بالعودة لمقر عملهم ولعودة المكان محل البلاغ لحالته الطبيعية.
-2 المسار الثاني: يحتل هذا المسار ما يقارب نحو %10 من البلاغات التي تنقل المعلومة بوجود تهديد بمكان ما إلى الأجهزة المختصة بالتعامل مع هذا التهديد، ويشمل هذا المسار أفراد الأجهزة الأمنية أنفسهم الموجودين بكل الأماكن المختلفة في مهام تأمينية لتلك الأماكن، ومنهم أيضاً المكلفون بالمرور في الشوارع والطرق الرئيسية والأحياء لمهام حفظ الأمن والمتابعة المستمرة لكل ما يحتاج إلى تدخل أمني، حيث قد تقوم العناصر الأمنية على اختلاف درجاتهم الوظيفية وطبيعة عملهم بالاشتباه بصورة ما أو بأخرى في شيء قد يبدو لهم بمنزلة مصدر تهديد.
-3 المسار الثالث: يعد هذا المسار الأخير الأقل حدوثاً، إذ يمثل ما يبلغ حوالي %5 من التهديدات، ويتمثل في رسائل الاستغاثة التلفزيونية أو الإذاعية مثلاً، أو غيرهما من مواقف محدودة لكنها بالإجمال تتشارك مع المسارين السابقين أيضاً في خطوات النسق الأمني الذي تمت الإشارة إليه، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن زيادة عدد التهديدات الكاذبة لها ارتباط طردي مع الحالة السياسية والأمنية العامة للمدينة أو للدولة التي يقع فيها، فالاضطراب والصراعات هما المناخ المثالي لتنامي قلق المواطنين وأجهزة الأمن وزيادة مساحة التشكك في كل شيء، حيث تغلب على الذهن حالة من القلق المستمرة والتشكك بأن التهديد موجود في كل مكان.
فالأكياس المجهولة والصناديق المهملة الملقاة بشكل عشوائي في الطريق والأماكن العامة ينظر إليها وتترجم في أحوال الهدوء والاستقرار الطبيعي على كونها “مجموعة مخلفات”، إلا أن الصورة تختلف كلياً في حالة عدم الاستقرار الأمني لتشكل في الذهن مصدراً “لخطر متوقع″، حتى ولو لم يتم الإبلاغ عنه أو التفاعل معه بالصورة السابق ذكرها.
رابعاً: وسائل التعامل مع التهديدات
“كل البلاغات إيجابية، أياً كانت طريقة وصول البلاغ، حتى إتمام الفحص في موقع التهديد” هذه هي القاعدة التي تحكم عمل جميع أجهزة الأمن، لذلك فليست هناك تفرقة مطلقاً في نمط وتكلفة التحرك ناحية موقع لتهديد تم الإبلاغ عنه، هذا التحرك يشمل بالضرورة خبراء مفرقعات، ومعدات التعامل، والكلاب البوليسية المخصصة للكشف عن المفرقعات، ويتحدد العدد في هذه الوحدات وفقاً لطبيعة وملابسات البلاغ، ويكون التحرك بالسيارات الحديثة المتخصصة لهذا النوع من العمل الأمني كونها مزودة هي الأخرى ببعض معدات الكشف والمساعدة في التعامل مع مصادر التهديد، يرافق تلك المجموعة المتخصصة ما يمكن تسميته بالمجموعات المعاونة، وتشمل قوات أمنية لعمل الكردون الأمني، وتأمين النطاق المحيط بمكان البلاغ، ومجموعة البحث الجنائي لجمع المعلومات الأمنية والتحري حول مكان البلاغ، ومجموعة الأدلة والمعمل الجنائي لرفع وتحليل مسرح البلاغ بعد نهاية التعامل مع البلاغ.
ولا يمكن إغفال أي وحدة من وحدات التحرك للتعامل مع البلاغ لكن يمكن تقليص عدد أفراد كل وحدة طبقاً لطبيعة البلاغ، فقد تكون هناك حرية محدودة في هذا التقليص ما بين بلاغ تهديد لمنطقة حيوية تحظى بكثافة وجود للمواطنين، مثل محطة مترو الأنفاق وما بين بلاغ في أحد الطرق الصحراوية يتصور خلوها من المواطنين أو المنشآت.
ومن ثم فإن التكلفة البشرية والمادية تتصاعد مع اتساع نطاق وعدد الوحدات التي تتعامل مع التهديدات، إذ يرتبط ذلك بعدد مرات التحرك والانتقال، التي تقدر بالعشرات يومياً في المتوسط، وهو ما يؤدي لخسائر مادية كبيرة، تعد الأثر السلبي الأبرز في ظاهرة تنامي التهديدات الكاذبة، ولا يمكن تفادي ذلك الأثر، إذ إنه يعد خطوة أساسية من أجل التعامل مع البلاغ.
وتؤدي التهديدات الكاذبة إلى التشتيت والاستنزاف المستمر لقوات الأمن، مما يقلل قدرتها على مواجهة التهديدات الحقيقية، كما قد تؤدي إلى استنزاف للوقت والذي كان يمكن استغلاله في التدريب، وتحديث المهارات، ومحاكاة التهديدات التي يمكن أن تواجه أفراد الأمن وطرق التعامل معها، بحيث يمكن التعامل مع التهديدات الحقيقية بأكبر قدر ممكن من الكفاءة، وتجنب أي خسائر بشرية أو مادية.
خامساً: تداعيات التهديدات الكاذبة
يقدم النموذج المشار إليه في البداية المتعلق بإغلاق وإخلاء مبنى رقم (1) بمطار جون كينيدي الدولي لمدة تزيد على الساعتين، تصوراً واضحاً حول مدى الخسائر المادية المتوقعة كحصيلة للتهديدات الأمنية، حيث تتمثل أهم تداعيات تصاعد التهديدات الأمنية الكاذبة فيما يلي:
-1 تراجع حركة الاقتصاد: حيث تؤدي الحالة الأمنية التي تنذر باحتمال وقوع تهديد إلى إحجام المستثمرين العرب والأجانب عن القيام باستثماراتهم، ويصاحب ذلك إصدار تصنيف ائتماني منخفض للدولة، مما يؤدي إلى زيادة وارتفاع تكلفة القرض الخارجي، ولا ينفصل ذلك عن رغبة الكثيرين في الاحتفاظ بالسيولة المالية وإحجامهم عن البيع والشراء، مما يؤثر بشكل سلبي على حركة التداول والشراء، ويترتب على كل هذه النتائج ارتفاع سعر العملات الأجنبية مقارنة بالعملة المحلية، مما يؤدي إلى ارتفاع سعر السلع والخدمات، وبالتالي زيادة معدل التضخم.
-2 الضغوط النفسية: يؤدي استمرار التهديدات الكاذبة واتساع نطاقها، إلى تزايد الضغوط النفسية والعصبية على رجل الأمن والمواطن العادي معاً، ويؤكد تقرير صادر من منظمة الصحة العالمية في سبتمبر 2014 وصول حالات الانتحار في مصر نتيجة للضغوط السياسية والأمنية إلى ما يعادل %1.7، ويرتبط تزايد الضغوط النفسية بتزايد معدلات العنف المجتمعي.
-3 تزايد العمليات الإرهابية: يؤدي تنامي عدد التهديدات الكاذبة وتكرار التعامل الأمني معها إلى مساعدة الجماعات الإرهابية على رصد تحركات الجهاز الأمني، مما يحقق لها إمكانية دراسة الخطوات والسيناريوهات التي تتم أمام عينيها إلى حد كبير، لتمكنها من اختراقها أو تعديل خططها في تنفيذها لعمليات تهديد حقيقية.
يتمثل الأثر السلبي الأخطر في هذا المقام في أن يتحول التهديد الكاذب إلى سلاح تستخدمه الجماعات الإرهابية في مواجهة أجهزة الأمن والمجتمع، إذ لا يمكن للأمن اللجوء إلى المخاطرة باعتبار التهديد كاذباً كي يقلص مساحة عمله، ويوفر الجهد للتهديدات الحقيقية، خاصة أن ذلك قد يؤدي إلى المخاطرة بأرواح بشرية، بالإضافة إلى احتمالية حدوث خسائر مادية كبيرة.
ويدفع ذلك الجماعات الإرهابية للدخول في مباراة هدفها استنزاف الجهد، وذلك باستخدام التهديد بصورة مغايرة، على سبيل المثال، لجأت بعض العناصر لزرع عبوات لا تحتوي مواد ناسفة، واكتفت بمجرد احتواء العبوة على بعض المواد التي تنتج صوت انفجار “محدث صوت”، ويكون ذلك بهدف تخفيض التكلفة العالية لعبوة حقيقية أو لنقص في امتلاك مواد النسف القاتلة أو لتعمد تكرار أصوات الانفجارات لإشاعة مزيد من الرعب والقلق لدى المواطنين، وينتشر استخدام تلك الآلية من قبل الجماعات الإرهابية في الأماكن المزدحمة، مثل محطات المترو، وعربات القطارات، والأسواق التجارية، ومع توقعات المنفذين باحتمالية سقوط ضحايا نتيجة التدافع الكثيف للمواطنين تحت حالة الخوف، وهو ما قد حدث بالفعل في بعض الحالات.
ختاماً يمكن اعتبار تصاعد كثافة التهديدات الحقيقية والكاذبة مؤشراً دالاً على تآكل هامش الأمن النسبي الذي تمتعت به الدول والمجتمعات على مدار عقود، مع سيادة ما يمكن أن يطلق عليه “عصر القلق والاضطراب الأمني” على المستوى العالمي بالتوازي مع العلاقة الطردية بين ارتفاع الطلب على الأمن والاستقرار وتصاعد تكلفة تحقيق الأمن، في ظل تزايد وتعدد التهديدات الأمنية، وصعود دور الفاعلين المسلحين من غير الدول.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.