سنوات النسيان

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

ولد في باريس، وفقد أمه في الثامنة من عمره، وأباه في التاسعة، عاد بعدها إلى انجلترا ليعيش في كنف عائلته، درس الطب، ولكن هوايته الأدبية كانت غالبة عليه، فانصرف إلى الأدب القصصي، ما جعله يعيش في فقر سنوات عديدة، إلا أنه استمر في الكتابة حتى صار اسمه مخلداً بين كبار المؤلفين الروائيين في الأدب الإنجليزي المعاصر، إنه “سومرست موم” أشهر روائي إنجليزي معاصر.
من أشهر القصص التي درت على “سومرست موم” الكثير من الأموال قصة “الأمطار” وقد كانت قصة قصيرة كتبها يوماً ثم نسيها، وعندما زاره أحد كتاب المسرح طلب إلى “سومرست” أية قصة من قصصه يستعين بها على النوم، فأعطاه هذه القصة، ولما طالعها هذا الكاتب إذا بها تؤثر فيه كثيراً وأخذ يتخيلها وهي تمثل على المسرح، ورغم عدم اقتناع “سومرست” بذلك؛ إلا أن الكاتب المسرحي أصر على إعدادها للمسرح، واستمر عرضها طيلة أربعمائة وخمس عشرة ليلة متوالية، وفي كل عرض تزداد الجموع المتزاحمة التهاباً وحماسة.
لقد كان “سومرست موم” من نوابغ عصره، ورغم شهرته إلا أنه مرّ بفترات صعبة، لم يجد فيها مالاً حتى بات على الطوى من شدة الفقر، ورغم نصائح أصدقائه بممارسة مهنة الطب حيث درس وتخرج في كلية الطب؛ إلا أنه لم يستطع أن يهجر القلم، ولم ينل الفقر من عزيمته لتخليد اسمه في تاريخ الأدب الإنجليزي.
ما حدث مع “سومرست موم” ينطبق على كثير من الناس الذين يعملون ويكدحون سنوات طويلة وهم مطموسون، ثم يلمع نجمهم فجأة دون إعداد مسبق؛ فبعد أن اشتهرت رواية “الأمطار”، بدأ “سومرست” بالبحث في أوراقه القديمة حتى أخرج عدداً من مسرحياته، تم إعدادها للمسرح وتوافد الناس لمشاهدة مسرحياته. وهكذا هبط الحظ على “سومرست” الذي كان مغموراً، وألقيت عليه الأضواء، وبات حديث الناس جميعاً، وانهالت عليه دعاوى أرفع طبقات المجتمع، وبعد عشر سنوات من النسيان يجد “سومرست” نفسه موضع الاهتمام وقبلة الأنظار في المجتمعات الراقية.
ولقد كانت لسومرست موم طباع في الكتابة؛ فلا يكتب حرفاً بعد الواحدة ظهراً، حيث تسود قريحته الخمول بعد ذلك الوقت كما أشار هو في بعض كتاباته، ومكانه المفضل للكتابة كان في ظل عريشة أعدها هو على الطراز المغربي، ولقد كان عاشقاً للقراءة وخصوصاً في الفلسفة التي كان حريصاً عليها قبل الشروع في الكتابة.
ومن المؤكد أن الحظ وحده لم يخدم “سومرست موم” ولكن موهبته وحرصه على القراءة والكتابة والصبر والمثابرة كلها عوامل مهدت الطريق لنجاحه وعززت وجوده بين المبدعين.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.