الفرسان الثلاثة

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

 

 

كان والده من النبلاء؛ إلا أن جدته لأمه كانت فقيرة غير متعلمة، عاشت وماتت مغمورة، ولم تتصور أبداً أن حفيدها سيكون موضع تكريم الشعراء والأثرياء، وسيجعل اسمها خالداً في التاريخ. كان الفرنسي ألكسندر دوماس صاحب عادات غريبة في الكتابة؛ فبرغم عشقه للطعام؛ إلا أنه ساعة الكتابة كان ينسى تماماً تناول طعامه. كما كان شديد الحساسية للأوراق والأقلام التي يستعملها؛ فقد كان يكتب القصص على ورق أزرق فقط، وبنوع خاص من الأقلام، وإذا كتب الشعر؛ استعمل ورقاً أصفر ونوعاً آخر من الأقلام، وإذا كتب مقالاً لجريدة استخدم الأوراق ذات اللون الوردي. كما لم يستعمل الحبر الأزرق على الإطلاق؛ فقد كان يصيبه بالدوار، ولم يكتب مسرحية وهو جالس إلى مكتبه أبداً؛ فكل مسرحياته كتبها وهو مضطجع وتحت مرفقه وسادة لينة.
ولقد بلغ مقدار ما كتب ألكسندر دوماس من مؤلفات ما يجاوز المائة ألف ورقة، أي أضعاف ما كتب أدباء عصره، إنه رقم قياسي لم يبلغه من الكُتّاب إلا النذر القليل في التاريخ. وقد ربح أموالاً طائلة من مؤلفاته المتتابعة. وقد دفعه نجاحه إلى كتابة تاريخ فرنسا في شكل قصص، وقد بلغت أجزاء هذا العمل الضخم نحو مائة مجلد. ومن أعظم رواياته “الكونت دي مونت كريستو”، و”الفرسان الثلاثة”، و”الزنبقة السوداء”.
والمتتبع لحياة ألكسندر دوماس سيلحظ أن عوامل نجاحه تكمن في الفقر الذي عاناه في بداية حياته حيث توفي والده وهو في الرابعة من عمره؛ فدفعه الفقر للكتابة المتدفقة، حتى أنه كان يكتب خمس روايات في وقت واحد، تنشر في الصحف في حلقات متسلسلة. والملفت أن شخصيات رواياته كانت تنبض بالحياة، وكأنها شخصيات حقيقية تجلس أمامه، وكان دوماس يستمتع بالوقت الذي ينفقه في نسج خيوط قصصه وحبكها بمهارة.
والعامل الأهم في نجاحه هو ارتباطه بأمه التي كان يحرص عليها وعلى إرضائها بشكل كبير، ويذكر في ذلك أن أمه أصيبت بمرض شديد أثناء عرض مسرحيته الأولى؛ فكان يهرع بين فصول المسرحية إلى أمه للاطمئنان عليها. كما كان ينام تحت أقدامها في وقت كانت باريس كلها تتغنى باسمه.
عرف عن ألكسندر دوماس تبذير أمواله على نزواته الخاصة؛ فاستنزفت أمواله ما جعله يقضي شيخوخته في فقر ووحدة وإهمال، ورغم ذلك فإن أعماله ما زالت خالدة وخاصة قصة “الفرسان الثلاثة” التي حاول الكثيرون أن ينسجوا على منوالها آلاف القصص، والتي ترتكز على مبدأ “الواحد للكل، والكل للواحد”، والعجيب أن جميع هذه القصص قد اندثرت وبقيت هذه القصة خالدة، وأظنها ستبقى لمئات السنين.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.