رهانات خطرة

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

 

 

كان أساس عمله أن يعلم الموسيقى تحت رئاسة الموسيقي العراقي ووسيط الذوق الرفيع أبي الحسن علي بن نافع والمعروف بزرياب، ولكنه انجذب نحو الأدوات الميكانيكية والساعات والزجاج والبلور، كما كان مهتماً بالفلك؛ حيث تمكن من بناء نموذج آلي يمثل النظام الشمسي يحتوي على كواكب دوارة، كما استطاع أن يذيب الرمال في الزجاج ليصنع الأكواب الأندلسية وإجراء التجارب بالعدسات مستخدماً خصائصها المكبرة، كما استطاع أن يصل إلى صيغة تمكنه من صناعة البلور.. إنه العالم والموسيقي والفلكي عباس بن فرناس.
قبل سنوات من محاولته الطيران شاهد عباس بن فرناس رجلاً في قرطبة اسمه “أرمين فايرمان” يتكسب من المغامرة والدخول في رهانات خطرة ومنها القفز من أماكن مرتفعة، وكان عباس بن فرناس يستقطع جزءاً من وقته العلمي ليشاهد سراً أعمال فايرمان المثيرة. ولكي يقوم فايرمان بقفزته صنع بذلة حريرية بها أعواد تثبيت خشبية معتمداً في صناعتها على دراسة خاطفة لميكانيكية الأشياء الطائرة بطبيعتها مثل الطيور والأغصان والبذور، ولذا اتسم مجهوده بالتسرع حيث لا علاقة له بالعلم ولكنه محب للإثارة. قفز فايرمان وانتفخت بذلته ليكون أول شخص يقفز قفزة “باراشوت” في العالم ليرتطم بالأرض متعرضاً لبعض الآلام لكنه لم يَمُت.
لاحظ عباس بن فرناس هذه القفزة وبدأ يفكر في الطيران، لتمر سنوات يدرس فيها آلية الطيران وحركة الطيور والمخلوقات الأكثر قرباً لنموذج الطيران، وكذلك تجربة أرمين فايرمان، ثم قام بصنع جناحين من الحرير والخشب، وحاك على الحرير ريشاً حقيقياً، حتى جاء اليوم الذي دعا فيه أصدقاءه وعلماء عصره ليشهدوا محاولته الخاصة للطيران.
وقف على حافة تل مرتفع والرياح تتصاعد نحوه، جرى ببطء وقفز من أعلى التل في هواء الأندلس الصافي متحدياً كافة الصعوبات والخبرات، حلّق ابن فرناس في الهواء منساباً في الأفق مثل الطائر، طار في دوائر تشبه حركة الطير، طار لدقائق معدودات فوق الوادي الكبير، استشعر عباس بن فرناس للحظات أنه حقق حلمه في الطيران متخلصاً من قيود الأرض، ولكنه عندما بدأ في الهبوط وجد أنه لم يفكر ملياً في آلية ذلك الهبوط، حيث كان تركيزه مُنصباً على الإقلاع والطيران، ولكن مع الاقتراب السريع من الأرض اصطدم بالأحجار والأغصان، لقد اقترف خطأ شديداً دفع ثمنه من عظامه وآلامه التي رافقته ما تبقى من عمره؛ فقد نسي تصميم الذيل الذي يعطي الطائر التوازن ويبطئ من هبوطه والتقائه بالأرض. لكن يكفي عباس بن فرناس فخراً أنه طار قبل ألف عام من الأخوين “رايت” ليترك أثراً باقياً في ذاكرة التاريخ.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.