عقول عظيمة

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

 

نشأ في مدينة طوس في خرسان لوالد يعمل كيميائياً، استقطبه هارون الرشيد ليصبح طبيب البلاط، تمتع بطموح سياسي كبير، إلا أن حبه للكيمياء شغف قلبه، وجعله يبحث في أسرار الكون المدفونة في أعماق العالم المادي المحيط به في سعي لا ينتهي لفك شفرات هذا الكون بحثاً عن الحقيقة، وقد كان على يقين أن أسرار العالم من الممكن إزالة غموضها من خلال قِلة ممن هم على استعداد للبحث الطويل، وهم من يستحقون النجاح والفلاح، وقد كان من هؤلاء بالفعل.. إنه النابغة العربي جابر بن حيان.
انجذب جابر إلى قطبين متنافرين؛ السحر من جانب والعلم المنطقي من جانب آخر، وقد دفعه ذلك إلى وضع كتاباته بشكل مُشَفّر، حيث أراد أن يغطي المعرفة التي يكتشفها فلا يصل إليها إلا قلة مختارة، وهي الفئة القليلة المقصودة بتلقي هذه المعرفة السرية والقادرة على إدارتها.
وجد جابر بن حيان ضالته في الكيمياء، ولم يكن هدفه -كما ورد في بعض ما كُتب عنه- تحويل المعادن إلى ذهب، ولكن هدفه كان البحث عن العناصر المكونة للأشياء. وقد كانت اللغة العربية عامله المساعد في بحثه الغامض الخفي، حيث وَظّف الحروف والكلمات العربية والأرقام مكوناً بذلك الشفرة الأساسية للوجود والتي توجه هذا الكون المعقد والموحد، فقد كان من قناعاته أن كل الأمور تتناسب مع بعضها في كون الله، وما من شيء يحدث عشوائياً أو بدون مبرر.
وما يؤسف له أن كثيراً من أفكار جابر بن حيان تساقطت وضاعت معالمها في الترجمة، وفي النقل غير الأمين لها من هؤلاء الذين يسعون إلى تشويه التاريخ العربي، حيث يؤثرون تنصيب أوروبا منبعاً للكيمياء الحديثة التجريبية. والواقع أن جابراً لم يكن باحثاً عادياً، وإنما هو أول كيميائي حقيقي في العالم، وقد شهد بذلك آخرون من كبار المفكرين والمنصفين، وقد سجلوا قائمة كبيرة من الإنجازات العلمية المنسوبة إلى جابر بن حيان.
ومن بديع ما نُقِل عن جابر بن حيان مقولة كان لها أثرها البالغ عليه وهي: “من كان دَرِباً –أي ماهراً- كان عاملاً حقاً، ومن لم يكن دَرِباً لم يكن يعلم”. إنها الفلسفة التي انتهجها جابر والتي فتحت له سيلاً من الاكتشافات الكيميائية والعلمية ذات الأهمية؛ فقد كتب أكثر من مائتي كتاب، وكانت له من الابتكارات ما مَهّد الطريق للكيمياء الحديثة.
ظل جابر بن حيان يعمل إلى آخر لحظة في حياته، وخلال شيخوخته القاسية كانت قضيته الأساسية هي من سيستكمل عمله ومن سيكون خلفاً له ممن يملكون عقولاً عظيمة.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.