نسبية الكِندي

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

 

صبي صغير بدأ رحلته التعليمية بتعلم القراءة والكتابة، ولكنه أظهر اهتماماً مبكراً بالكيمياء والفلسفة، بنى على علم جابر بن حيان وعمله، إلا أنه اقتحم مجالات فاقت اهتمامات جابر بن حيان، حيث اهتم بالموسيقى والطب والرياضيات والفلك إضافة إلى الكيمياء، وزاد على ذلك الفلسفة؛ فقرأ ما كتب أرسطو في الفلسفة والمنطق والطبيعة والسياسة وما وراء الطبيعة، ولقد بلغ عدد ما كتب ثلاثمائة وواحد وستين كتاباً رائعاً في هذه المجالات كافة، إلا أنه لم يبق منها إلا النذر القليل. ولقد استطاع أن يجيب عن الأسئلة الجادة ذات الأهمية والمتعلقة بالفيزياء والكون، وهي أسئلة ستشغل بال العلماء لمدة تزيد عن ألف عام قادمة..إنه الفيلسوف والعالم الجليل يعقوب بن إسحاق الكِندي.
وقد اختلف الكندي عن جابر بن حيان في عدم اهتمامه بتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، حيث انشغل بعلم العقاقير وكتب مجلداً ضخماً عن الروائح ومكونات العطور والزيوت والمراهم وغيرها من العناصر المختلفة، ودرس تأثيرها في الكائنات الحية.
سبق الكندي كبار العلماء القدامى والمعاصرين بتساؤلاته المتلاحقة عن الجاذبية الأرضية؛ فقد شاهد أشياء لا تحصى تسقط على الأرض مثل الأغصان وأوراق الأشجار والأحجار، وتتابعت أفكاره وزاد عمقها حول ما يعرف بالنسبية وعلاقة الزمان بالمكان، وهي البداية التاريخية للحديث عن “النسبية”، والتي ظهرت صريحة بعد ألف عام على يد عالم الرياضيات المعروف أينشتين، ولقد تجلى هذا الربط في قول الكندي: “إذا كانت حركة كان زمان، وإن لم تكن حركة لم يكن زمان”. ويبدو فيما يبدو أن آراء الكندي الخاصة بالزمان والمكان لم تجد قبولاً ممن كانوا حوله، ولم يكن لدى الكندي أية طريقة رياضية تبرهن صحة نظريته، وقد عَزّز ذلك ظهور التحفظ ومعاداة العقل خلال الأربعينيات من القرن التاسع، كما كان لظهور العداوات ضد الكندي من بعض زملائه من علماء بيت الحكمة ما أسهم في تعريض الكندي للإيذاء ومصادرة مكتبته، ولكن سرعان ما تنجلي الحقيقة مع الوقت وينال الكندي الاستحسان والقبول مرة أخرى.
وتتتابع على الكندي الضربات واللطمات مما يزيد في يقينه أن الحظ شيء نسبي في حياته، وتنتابه حالة من الانكسار النفسي، يستشعر معها أن الشر في هذه الحياة أمسى هو المسيطر، وخيبة الأمل هي مصيره المحتوم، كما تزداد قناعاته بأن الكنز الحقيقي يكمن في قلب الرجال ممن يغمر الفخر أرواحهم، كما أيقن أن الثروة الحقيقية تنبع ممن يملك القليل ويتعفف، لا ممن يجمع الكثير ويطمع، وأن من يسعى وراء الثروة المادية ينتهي به المطاف وهو صفر اليدين.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.