د. محمد سعيد

الظلال

الرئيسية مقالات

 

 

ولد في مدينة “خيوة” وهي مدينة فارسية، والتي تعرف اليوم بأوزبكستان، لاحظ مثل الكثيرين في زمنه الجبال الشاهقة فوق وادي كشمير وقد توجت بالثلج مخترقة السماء الزرقاء والسحب المكتظة بالعواصف. ينظر ليرى الجبال والسماء في شكل حائط وسقف فوق حديقة ضخمة بالإضافة إلى الغابات والأراضي والمزارع المزهرة الواقعة في قمة العالم. ينظر لجدار الدفع العلوي للجبال الممتدة شرقاً وغرباً والمكونة من صفوف بعضها فوق بعض متجهة نحو ظلال باهتة، كل منها أعلى وأبعد من تلك الواقعة في الطليعة، كما يرى الأنهار تنتشر من منابعها الباردة وتهوي إلى الأسفل مارة بالشقوق والوديان تجمع في طريقها المياه والقوة..إنه العلامة أبو ريحان البيروني.
يرى البيروني تلك الأنهار العظيمة تصب من أرض الجبل الرئيسة في السهول الساخنة وتسير على نطاق أوسع وبحركة أبطأ لتتجمع في السهول وأراضي الدلتا الواسعة حيث يعيش الرجال والنساء يحرثون الأراضي المستوية ويوفرون الغذاء والقوت لواحدة من أقدم الحضارات على وجه الأرض. ويبحث البيروني عن التفسير العلمي لهذه الظاهرة، ويتساءل عن علة الدفع العلوي بالجبال الشمالية، وعن سبب توجه السهول النهرية المنتشرة والساخنة نحو الجنوب، وكيف شكلت العقل والحياة الهندية. كما لاحظ البيروني على قمة جبل يقع بعيداً عن البحر قواقع بحرية مكسورة ومتكلسة، واستنتج أنها لا يمكن أن توجد هناك بفعل الإنسان، وكان السؤال كيف استقرت هذه القواقع على قمة هذا الجبل؟
ثم يرى أرض الهند القديمة والنابضة بالحياة والباعثة للحيرة، وشعبها وأديانها وتقاليدها الكثيرة في مزيج من الثراء والفقر المدقع؛ فأدرك أن الكوكب الذي يعيش عليه والجنس الحاكم له مثير للدهشة والاستغراب في آن واحد.
لم يؤمن البيروني يوماً بالتنجيم رغم معرفته به؛ وإنما كان إيمانه الشديد بالعلوم التجريبية مثل الكندي وابن الهيثم، وكانت قناعته أن النظرية مهما كانت إلزامية إلا أنها يجب أن تخضع للملاحظة والاختبار. ومثله مثل الكثيرين من المفكرين الذين تاهوا في غيابات التاريخ يأتي البيروني كرياضي وفلكي متمرس، كما أنه واحد من أفضل مختبري الطب والصيدلة. كما كان أحد أفضل المؤرخين والمراقبين الثقافيين للأزمنة كافة؛ فقد انغمس بعمق في الفلسفة الهندوسية، وعلَّم علماء الهندوس حكمة الإسلام والفكر الإغريقي، كما كان جغرافياً وجيولوجياً ذا ريادة.
أطلق البيروني اسم “الظلال” على أحد أعماله التي جاوزت المائة، حيث انجذب إلى الجوانب الرياضية والزمنية للظلام، كما قام بحساب مواقيت الصلاة وفقاً لزوايا الظلال.
ظل اسم البيروني غير معلوم لدى الأوروبيين حتى القرن العشرين، حتى أشار إليه المؤرخ جورج سارتون بأنه سيد من يعلم.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.