خروج إيطاليا وانهيار الاتحاد الأوروبي

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن: "بلومبرغ" الإخبارية كليف كروك

 

أصبح هناك تلميحات عديدة تؤكد على ضرورة اعتبار الحكومة الجديدة في إيطاليا في الآونة الأخيرة ضمن أغرب الائتلافات التي مرت في تاريخ ايطاليا و وأكثرها مساهمة في إمكانية زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من صعوبة التكهن حول الوضع الذي ستؤول إليه تلك المغامرة الإيطالية، إلا أنه يمكن أن يكون أسوأ من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.
ولأن الشركاء في هذا الائتلاف -حركة الخمس نجوم اليسارية بقيادة ليوجي دي مايو والرابطة اليمينية الشعبية بقيادة ماثيو سالفيني – هم أحد الأقطاب المتباعدة فيا يتعلق بعدد من النواحي المختلفة، إلا انهم -وعلى النقيض من ذلك – لا يزالون متفقون حول عدة قضايا منها على سبيل المثال لا الحصر كافة القضايا المتعلقة بالهجرة، وازدراء السياسات المعتادة وكراهية الاتحاد الأوروبي.
ومن الملحوظ أن البرنامج الذي أعلنه هذا الائتلاف الأسبوع الماضي يجمع بين طموحات تيار اليسار التي تعتمد على أسلوب الإنفاق المرتفع والطموحات المنخفضة للضرائب التي يتبناها التيار اليميني. وكل تلك الدلائل تؤكد أن روما على مشارف تسجيل زيادة في حجم الاقتراض العام. لكن فيما يبدو لا يشعر هؤلاء الشركاء بالثقل من عبء الديون الحالي في إيطاليا (حيث وصل حجم الديون إلى 130 % من الناتج المحلي الإجمالي) ويبدو أنهم يعتمدون على أسس الاتحاد الأوروبي بشأن الدمج المالي. كما أن برنامجهم لا يضرب بهذه القواعد عرض الحائط فقط؛ بل يضعف موقفهم ويجعلهم كالأضحوكة.
وعليه, فقد أصبح من الضروري – في الوقت الحالي – مراجعة هيكلية الحوكمة الاقتصادية الأوروبية غير المتماثلة، كونها تستند إلى هيمنة السوق مقارنة بالبعد الاجتماعي والاقتصادي الأوسع نطاقاً ، بحسب البرنامج المحدد . ولذلك ترغب الحكومة الجديدة من الاتحاد الأوروبي إصلاح السوق الموحدة للسلع والخدمات ورأس المال والعمل، لتجنب حدوث أية “آثار ضارة على المصلحة الوطنية”. وذلك بغرض إعادة التفكير في سياسات الهجرة، ولتحدى اتفاقيات الاتحاد الأوروبي المبرمة بشأن إصلاحات البنوك التي دائما ما تلقي عليها اللوم نتيجة الضغوط المالية التي تتحملها الأسر الإيطالية والشركات الصغيرة. ولهذا تم تخفيض كل تلك المعدلات لمستويات أقل من الإصدار السابق الذي كان تسبب في قيام البنك المركزي الأوروبي بإلغاء 250 مليار يورو من الديون وتحدث عن التخلص من اليورو ايضا.
وإذا ما أخفقت إيطاليا في الوصول إلى طريق ميسر ، فلن يمكن تخيل طريقة خروجها من الاتحاد الأوروبي ، مثلها مثل بريطانيا التي تعتزم الخروج بحلول العام القادم – ولكن ذلك بالتحديد ما يجعل وجود إيطاليا أكثر خطورة على المشروع الأوروبي. فقد اختارت المملكة المتحدة المغادرة دون خطة ، والتخلي عن القوة التفاوضية التي كانت تمتلكها كعضو في الاتحاد ، مما منح الاتحاد الأوروبي اليد العليا لإملاء الشروط. ونتيجة لذلك، بات بإمكان ميشيل بارنييه، كبير المفاوضين الأوروبيين في الاتحاد الأوروبي، أن يبث اشاعه انعدام القلق بشأن رحيل بريطانيا: حيث صرح بإن الاتحاد الأوروبي سيستمر، كما لو أن شيئًا لم يحدث. وهذا الموقف لن يجدي مع إيطاليا. كونها جزء لا يتجزأ من منطقة اليورو وعضو أساسي في المشروع الأوروبي ما يضعها في وضع أفضل بكثير لإفساد المشروع الأوروبي.
وبخلاف اليونان، التي تعاني من أزمات اقتصادية ومالية هائلة لم تجد لها حلاً بعد، إذا ما واجهت روما أزمة اقتصادية أو مالية جديدة، سيكون من الصعب حصر حجم الضرر هناك.
أمر آخر يتحتم وضعه بالاعتبار يتمثل في أن: إحدى صعوبات بريطانيا المستمرة مع الاتحاد الأوروبي هي الشعور بضرورة التقييد بالقواعد المفروضة التي تمتعضها الدولة والإدارة هناك مالم يتم تغييرها. وفي المقابل يشير سجل إيطاليا إلى منظور مختلف حيث أنه لدى قراءة برنامج الحكومة الجديدة، لن يمكن على الإطلاق توقع أن يتضمن دستور البلاد فقرة خاصة بموازنة متوازنة.
وعلي مر الزمان، جعل التقليد المتبع لخروج إيطاليا من الأزمات السياسية المحلية العديد من الإيطاليين يتجهون إلى التفكير بشكل إيجابي في الاتحاد الأوروبي، معتقدين أن هيئة عليا بعيدة عن سياسات الحكومة المختصة هي أفضل من لا شيء. وذلك ما يجعل استياء إيطاليا الحديث العهد من أوروبا أمرا مثيرا ورجح ارتفاع سطوة ونفوذ المعارضة الشعبية للحكم التكنوقراطي عن بعد في الاتحاد الأوروبي في أماكن أخرى في أوروبا أيضا ، على الرغم من تخللها لمركز في. فمن غير الواضح حتى الأن التعرف على كيفية استجابة الاتحاد الأوروبي لذلك.
وجليا لنا انه لم يصل الاتحاد الأوروبي إلى ما هو عليه اليوم من خلال الرضوخ للشكوك الشعبية حول أهدافه وأساليبه. حيث ان شعوب أوروبا لم تكن تريد العملة الموحدة. وقد واجهت المراحل المتعاقبة من الاندماج السياسي معارضة – وتم رفضها في بعض الأحيان عن طريق الاستفتاء – ولكن في الوقت المناسب نُفذت بصرف النظر عن ذلك.
حتي و لو كانت الطموحات الكبرى الخاصة بمبادرات “الاتحاد الأقرب” قد تم تجميدها في الوقت الحالي ، – على الرغم من خروج كل من بريطانيا، المجر, وبولندا، وظهور الجبهة الوطنية في فرنسا و الحزب البديل من اجل ألمانيا ؛ والآن على الرغم من التوقع بخروج إيطاليا. يبدو الاتحاد الأوروبي لا يمتلك أية سياسات أخرى فاعلة يمكن العمل بها.
فقد اصبح من المتوقع أن يدور جدول أعمال القمة المقرر انعقادها لدول الاتحاد الأوروبي حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واتخاذ خطوات جديدة نحو التكامل المالي . ومن المؤكد أن المزيد من التكامل في هذه المجالات ضروري لجعل منطقة اليورو تعمل بشكل أفضل. لكن الأسس السياسية لمزيد من التكامل ليست في محلها ، وأسس ما هو موجود بالفعل تبدو مثيرة للشك بشكل متزايد.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.