شكوك الرازي

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

شكوك الرازي

 

لمع نجمه في سماء التاريخ ليصير أول طبيب مسلم عظيم الشأن في العصر العباسي، تُرجمت أعماله إلى اللاتينية مما شجع الأوروبيين على تطوير أفكارهم الطبية الموروثة عن جالينوس وأبوقراط، وبينما ينزوي أستاذه الطبري في طي النسيان؛ يستحيل هو أعظم الأطباء المسلمين لدى الأوروبيين.. إنه الطبيب والعالم الجليل محمد بن زكريا الرازي.
كتب الرازي ما يزيد على مائتي مخطوطة حول كل جوانب الطب المعروفة في زمانه، بالإضافة إلى كتابات في الفلسفة والكيمياء والميتافيزيقا، وكان أول طبيب يصف إكلينيكياً وعلمياً ويلات الجدري ومرض الحصبة، ليكشف عن أنهما مرضان منفصلان.
أشار الرازي إلى أن كل مرض له أسبابه الجسدية المحددة والقائمة على أساس علمي، وكان مختلفاً في ذلك عن بعض ما كان شائعاً من أن المرض عقاب أنزله الله عز وجل على الإنسان. كما رفض الخرافات والعقيدة البدائية التي لا تعتمد على الحقيقة المادية الخاضعة للملاحظة، وهذه العقلانية سوف تجعله ينهض بالمشروع الذي ذكره معلمه القديم الطبري وهو التحليل النقدي لبعض الدروس العميقة لجالينوس في مؤله المبدع “شكوك على جالينوس”.
أجرى الرازي تجارب كيميائية عديدة خلص من خلالها إلى نتائج هامة في مجال الأمراض التي شاعت في عصره مثل الربو وحمى القش، وخرج بنتيجة بديعة مؤداها أن الأفراد مسؤولون عن صحتهم من خلال سلوكياتهم ونظام غذائهم ونمط حياتهم.
اخترع الرازي بعض الأدوات الطبية والقوارير الصيدلانية، كما قام بوضع تركيبات لمراهم زئبقية وتوصل إلى علاج عدد من الأمراض المؤرقة والتي شاعت بين الناس في زمانه، كما توصل إلى علاج للاكتئاب باستخدام بعض الأعشاب الطبية التي لها تأثير يفتر الجسم.
هاجم الرازي دجالي الطب في عصره ممن ليس لديهم أي أساس علمي لتشخيصاتهم الطبية ومعالجتهم الدوائية، وكان يوصي الأطباء بإخلاص عملهم والتفاني طيلة حياتهم في الدراسة العلمية المستمرة ومتابعة التطورات الطبية، حتى لا يتخلفوا عن الركب الطبي الذي يزداد تسارعاً مع الأيام.
حصل الرازي على تأييد الخلفاء والحكام ودعمهم الكامل له، كما نال قبول الجماهير ولا سيما بعد أن كتب أول كتيب طبي خصصه للعامة، كما لم يتجاهل الفقراء؛ فكان يعطيهم الدواء بالمجان. ورغم ذلك فقد كان اشتغاله بالكيمياء سبباً في اتهامه بأنه قد وجد طريقة لتحويل المعادن الأساسية إلى ذهب، إلا أنه رفض هذا الأمر وعدّه مستحيلاً. ومن المؤسف أن اشتغاله بالكيمياء قد ترك أثراً مفجعاً عليه؛ فقد أحرق عينه ونال منه العمى بعد أن قدم إنجازات طبية وعلمية ما وُجد لها نظير على مدار قرون من الزمان.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.