تاريخ ناصع

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

تاريخ ناصع

 

ولد في قرية صغيرة بالقرب من دمشق، ودرس الطب في بلدته، ولكنه أمضى معظم حياته العملية في القاهرة؛ فكان أول رئيس لمستشفى المنصور، كما كان قيّماً على مدرسة الطب التابعة لهذه المستشفى، وفي هذه المستشفى توصل إلى اكتشافه المذهل ألا وهو التركيب البنيوي للقلب وطريقة عمله، بالإضافة إلى فهم كيفية تدفق الدم من القلب إلى الرئتين حيث يختلط مع الهواء.. إنه أعظم أطباء القلب في عصر ما قبل الحداثة علاء الدين أبو الحسن علي ابن النفيس.
كان المتعارف عليه قبل ظهور ابن النفيس بخصوص ميكانيكية عمل القلب هو ما وضعه جالينوس؛ فقد كتب جالينوس عن تحركات الدم داخل تجاويف القلب، ولكن ابن النفيس قلب ما جاء به جالينوس رأساً على عقب، بعد إعطائه نظرة ثاقبة على حركة الدم بين القلب والرئتين عبر مراقبته لكثير من العمليات الجراحية والتشريح، ولقد كتب تفصيل ذلك في التعليق على شرح تشريح القانون.
إن اكتشافات ابن النفيس في الطب الحديث تمثل الأهمية نفسها لما اكتشفه الخوارزمي للصفر في الرياضيات الحديثة، إضافة إلى ذلك فقد كان ابن النفيس أول من وضع خريطة لشبكة الشرايين التي تزود القلب بالدم، وما يؤسف له أن بعض أعمال ابن النفيس ضاعت بين صفحات التاريخ، مما جعل عمله مجهولاً خارج نطاق العالم العربي، حتى قام الإيطالي “أندريا ألباجو” بترجمة بعض أعمال ابن النفيس، كما ترجمت بعض أعماله الأخرى في إسبانيا.
ومن الغريب في الأمر أن جزءاً مهماً من أعمال ابن النفيس لم تتم الإشارة إليها في ترجمة “ألباجو”، حتى بدأ الطبيب الإنجليزي “ويليام هارفي” في تفصيل أفكار ابن النفيس بعد مرور ثلاثمائة وخمسين عاماً على اكتشافاته، وعلى ضوئها توصل “ويليام هارفي” إلى الدورة الكاملة للدم عبر الجسم كله.
ورغم إنجازات ابن النفيس غير المسبوقة إلا أن الوقت الذي ترجمت فيه أعماله لم تلفت انتباه أوروبا حيث بلغت حينها عصر النهضة، ذلك العصر الذي لم تعد فيه اكتشافات المسلمين مذهلة بالنسبة لهم، ولذا لم يحصل ابن النفيس على اسم لاتيني أو اعتراف علمي يليق باكتشافاته، وكأن أيام التبجيل الأوروبي لإنجازات العرب ولا سيما أيام ابن سينا والرازي والزهراوي قد ولّت. إن المناخ الطبي إبان عصر ابن النفيس كان متقدماً، أسهم في اكتشاف الأدوية والمستشفيات وأماكن الرعاية النفسية، كما كان له دوره في ظهور المعالجين أمثال ابن النفيس، ولكن تقلبات الأيام وسُنّة التاريخ تقضي بأن تستيقظ أوروبا من سباتها العميق لتصير مركز العالم ومأوى العلم والعلماء.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.