الفروسية العربية

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

الفروسية العربية

كان رجلاً شديد الورع والتدين، أسس الدولة الأيوبية إبان حكم العباسيين، جَسّد الفروسية العربية التي أبهرت الأوروبيين، أحاطت به قصص رومانسية وأسطورية، كما كان رقيه الإنساني حديث المؤرخين عبر التاريخ ولا سيما عندما سنحت له فرصة الانتقام ممن استباحوا مدينة القدس؛ فقد حاصرت جيوشه المدينة وتوقع الجميع أن تكون العين بالعين ويتحول الأمر إلى مجزرة وحشية، إلا أنه قد منح أعداءه الأمان فسَلِمت مدينة القدس، وكان يوماً مشهوداً وارتفعت أعلامه على أسوار المدينة؛ إنه القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي الذي استرد القدس من باب التسامح وليس من باب الانتقام.
لقد سمح صلاح الدين لأعدائه بأن يرحلوا بعد دفع جزية الرحيل، مع أخذ كل متعلقاتهم، ومنهم الأثرياء الذين تكتظ بيوتهم بالأموال والجواهر، وعندما عجز ثلاثون ألف فقير عن دفع جزية الرحيل انتشرت شائعات بأنهم سيستبعدون أو سيجبرون على دخول الإسلام، إلا أن صلاح الدين دفع جزية الرحيل لهؤلاء الفقراء من ماله الخاص.
إن نبل صلاح الدين بلغ الآفاق عندما لاحت في الأفق جولة أخرى عندما عاد القائد الشهير ريتشارد قلب الأسد كي يستعيد المدينة المقدسة، ولكن حملته لم توفق لتبدأ أكبر صداقة غير متوقعة في تاريخ الحروب، حيث صار صلاح الدين وريتشارد أصدقاء عن بُعد، وبينما جمعت الحرب بينهما إلا أنهما لم يتقابلا وجهاً لوجه، وإن التقيا في الأفعال الكريمة والصفات النبيلة؛ فعندما مرض ريتشارد أرسل صلاح الدين طبيبه الخاص ابن ميمون لعلاجه، كما أرسل له الثلج لمساعدته في الشفاء من الحمى، وعندما قتل فرس ريتشارد في إحدى المعارك ووجد الملك الإنجليزي نفسه مترجلاً في مواجهة جيش بأكمله، أرسل له صلاح الدين فرسين حتى ينفي عنه الحرج. وعندما وصلت ريتشارد شائعات عن تآمر منافسيه ضده في إنجلترا سمح له صلاح الدين بالتراجع بشرف، مما جعل المؤرخ الفرنسي رينيه جروسيه يكتب عن صلاح الدين قائلاً: “إن كرم صلاح الدين وورعه وعدم تعصبه هي ثمار التسامح والتواضع التي كانت نموذجاً يقتدى به، وقد مكنته من الفوز بقدر كبير من الشعبية في كل بلاد الإسلام”.
كما جاء تقدير آخر على يد واحد من أفضل الشعراء الأوربيين في القرن الثالث عشر في مؤلفه الخالد “الكوميديا الإلهية” حيث قام الشاعر “دانتي” بالتمييز بين الشخصيات التاريخية مثل هوميروس وأفلاطون وقيصر وقد جعلهم يسكنون “الليمبوس” وهو موطن الأرواح العادلة أو البريئة، أما صلاح الدين عند “دانتي” فقد كانت له مرتبة خاصة أطلق عليها “الأرواح عظيمة القلوب”، وذلك بسبب أفعاله وتعاملاته الراقية النبيلة.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.