أسرار الضوء

الرئيسية مقالات
د.محمد سعيد

أسرار الضوء

 

ولد في مدينة البصرة، تلك المدينة العراقية الجنوبية، بدأ في قراءة أعمال كل من سبقوه في مجال الرياضيات، وما لبث أن تفوق عليهم، ليؤلف قرابة مائتي كتاب في موضوعات علمية مختلفة، مَكّنته من وضع حجر الزاوية للنظريات الرياضية والبصرية التي يسرت على علماء أمثال جاليليو وكوبرنيكوس فهم العلاقة الحقيقية بين الأرض ونجوم السماء، إنه العالم الفذ الحسن بن الهيثم.
كان للمكان الذي نشأ فيه ابن الهيثم الدور الأبرز في تكوين ذهنيته العلمية، حيث نشأ في بلدة تطل على نهري دجلة والفرات، وفي هذا الملتقى الذي يأخذ شكل الصحراء ويبدو نهره كالمرآة وتنعكس أشعة الضوء فيه من خلال الضباب والسحب وشمس الصحراء الساطعة، يلاحظ ابن الهيثم التفاعلات البصرية ويتساءل بينه وبين نفسه، وتأسر لبه تلك الزوايا والمساحات التي توجد في الفضاء الواسع والقواعد التي تحكم انكسار الضوء وانعكاسه. ويجذبه الضوء أكثر من أي شيء آخر، وتدفعه الرغبة في اكتشاف المزيد من أسرار هذا الضوء.
انتقل ابن الهيثم للقاهرة ليعيش في قبة في الجامع الأزهر الكبير، ويدرس هناك علم الرياضيات ويعيد ترجمة الكتابات اليونانية، ويبني على المؤلفات المستنيرة التي جمعها من مائتي عام قبله. ويكلل ابن الهيثم جهوده بكتابة سبعة مجلدات حول علم البصريات والتي تعد من أهم أعماله. كما أثبت ابن الهيثم أن أشعة الضوء لا تخرج من عين الرائي، والتي كانت فكرة متطرفة في عصره، ويقضي سنوات محتاراً في التفاعل بين الضوء والظل وسلوك المرايا وتأثيرها على حركة الضوء.
وينبهر ابن الهيثم بمقلة العين البشرية ويبدأ في دراسة تشريحها محاولاً فهم كيفية دخول الضوء في القرنية وما يحدث بين العدسة وظهر مقلة العين، ويعطي شرحاً وافياً حول كيفية عمل مقلة العين، ولقد استفاد كثير من العلماء من جهوده أمثال ليوناردو دافنشي وكبلر وديكارت ووصولاً لأينشتاين.
ويخبو ضوء حياة ابن الهيثم في القاهرة، وتنقضي قرون قبل أن تترجم أعماله إلى اللغة اللاتينية، حيث يشتهر لدى الأوروبيين باسم الحسن، ولفترة طويلة كان يعدونه عملاقاً في عمله، حيث سبق أوروبا في العصور الوسطى بشكل ملحوظ، والعجيب في الأمر أن ابن الهيثم لم يخطط لكل ذلك؛ فقد كان شغله الشاغل الإجابة عن أسئلة الكون ولم ينتظر شكراً من أحد على ذلك، فقد كان ما يسعده أن يكتب ويدرس ويعزل نفسه في ملاذه الخاص. ورغم أن معظم كتابات ابن الهيثم قد ضاعت؛ إلا أن كتاباته في البصريات ظلت مرجعاً لكل من جاء بعده من عشاق علم الحساب والضوء.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.