العالم النامي والمساكن منخفضة التكلفة

مقالات
خاص بالوطن عن: شبكة "بلومبرغ" الإخبارية ميهير شارما

 

في مدينة لندن ، يمكنك الخروج من محطة الترام ” محطة بانك” والسير لمسافة نصف ميل في أي اتجاه لتأمل الإبداع المعماري الذي شيده المهندسون المعماريون الحائزون على جائزة بريتزكر لتحفيز أنفسهم. وفي الشوارع المتقاطعة مع شارع محطة الترام تقاطع، كٌسر النمط الكلاسيكي الجديد المقتبس عن معمار عصر الإمبراطورية العميقة الذي ابتدعه المهندسون المعماريون سوان وبيكر و إدوين لوتينز وهو الطراز المعماري الأساسي الذي بنيت به جامعة جيمس ستيرلنغ التي تعكس منحنياتها فترة ما بعد الحداثة وفخامة المباني الأخرى. الجدير بالذكر أن “ستيرلنغ” حاز على جائزة ” نوبل للسلام” وجائزة بريتزكر لعام 1981 ؛ رغم ذلك ، فإن الطراز المعماري الذي اعتمده المهندسون كأساس للبناء الذي لا يزال مثير للجدل بعض الشئ، بات الآن معمولً به ضمن أصغر المباني التي يتم حمايتها رسميًا من قبل الحكومة البريطانية.
ويشتهر معظم المهندسون المعماريون الذين حصلوا على جائزة بريتزكر بتشيد مبان من هذا القبيل وخاصة التي تتجسد في: مباني المكاتب الكبرى مثل مقر شركة لويدز ، والمتاحف الواسعة مثل تيت مودرن، ومجموعات المباني التي لا يمكن نسيانها مثل دار أوبرا سيدني. لكن ، في الأسبوع الماضي ، منحت لجنة تحكيم بريتزكر جائزة 2018 للمعماري الهندي بالكريشنا دوشي ، الذي اشتهر بتصميمات مختلفة للغاية.
وحاز دوشي ، الذي يبلغ الآن التسعين من عمره ، على حصته الوفيرة مع اللجان التاريخية – بعد تشييدة لمباني عديدة بطرازات معمار فريدة من نوعها منها على سبيل المثال لا الحصر المعهد الهندي للإدارة في بنغالور ، وقاعة تاغور في أحمد أباد. لكن طرازه المعماري يشتهر بمشروع بأرانيا ، وهو مشروع إسكان منخفض التكلفة في مدينة إندور الهندية الوسطى كما أنه يمثل أحد عجائب الهند: فقد بدء العمل الفعلي في هذا المشروع السكني بالفعل حيث تم من خلاله بناء المنازل حول المساحات المفتوحة ليتم تنظيمها ضمن مجموعات من 10 منازل لخلق إحساس بالمجتمعية ، ولكن يشمل كل منها أيضًا ساحة فناء خاصة صغيرة وبدلاً من محو التجمعات الحضرية الكثيفة بالكامل ، يسعى المهندس من خلال هذا المشروع السكني إلى تقليد الأماكن الاجتماعية المجاورة لها. وبحسب بعض المراقبين ، فإن القائمين عىلى مشروع أرانيا يسعون جاهدين لمحاكاة الأحياء الفقيرة في مدن هندية مثل إندور ، باستثناء البنية التحتية والفضاء المفتوح لجعلها أكثر قابلية للعيش.
ويشهد القطاع المعماري طفرة مدفوعة بعدد كبير من الجوائز الممنوحة على اثر الشهرة والشعبية وهي بالتأكيد الجوانب الأكثر انحيازا للأفكار والنظريات أكثر من المهنية وذلك كله على افتراض أن المهندس المعماري الأكثر حرفية في الأدب المعماري هو هوارد رورك في آين راندز في فاونتنهيد.
غير أن هذه الجائزة تتعرض بشكل منتظم لعدة انتقادات لاذعة نتيجة عدم اعترافها بمزيد من النساء. إلا أن جائزة دوشي تعتبر بمثابة تذكير بما يجب أن تكون عليه العمارة الجيدة: وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية ” يتحتم على المهندسين المعماريين أن يبتعدوا عن تركيزهم على المصمم كفرد ليكون أكثر تعاونًا وتعاطفًا واستثمارًا سعياً لتشييد منازل لائقة.”
ويسعى دوشي إلى إنشاء أماكن حيث تكون فيها الحدود بين الفضاء التجاري والشخصي غير واضحة ويتمتع داخلها الأفراد والشركات بالقدرة على تغيير وتعديل أماكنهم لتلوح في الأفق مواضع عبقرية جديدة وليتمكن عدد من الأفراد من طبقات وخلفيات ومستويات دخل مختلفة العيش معاً. ربما يكون هذا هو المشروع الهندسي الجوهري. ومع ذلك ، أصبح هذا النوع من المشاريع قليل جداً في الهند اليوم بعد أن باتت مهووسة بالمجمعات السكنية ذات البوابات والبنية التحتية القاسية التي تتشابه إلى حد كبير مع مباني النمط الصيني.
ولم تكن تلك هى المبادئ الدائمة لدوشي التي تمثل تذكير بالإمكانيات والوعود التي ظهرت في كل مكان في العقود الأولى بعد استقلال الهند في عام 1947. فقد أظهرت ورقة دعائية لإعلان يرجع لأربعينيات القرن الماضي دعايا لشركة تاتا ستيل تسلط من خلاله الشركة المعلنة الضوء على خطة الحكومة لبناء ملايين المنازل منخفضة التكلفة التي تتطلب توريد خامات من قبل الشركة ما يبرز ، على الرغم من ذلك ، الطرز المعمارية المطروحة من قبل الشركة للبلدات الجديدة والممثلة في منازل صغيرة الحجم وقابلة للتكيف ، مع ساحات خضراء صغيرة تمكن من استيعاب أجيال عديدة من عائلة واحدة كونها تقع حول المناطق المشتركة وشبه العامة.
وتتماشى هذه الصورة بشكل كبير مع رؤية دوشي لمشروع أرانيا مما يوحي بتوافق غير معتاد بين المهندسين المهنيين والشركات والدولة. وبرغم ذلك، لم يعد لمثل هذه المشاريع متسعاً او مكاناً في الهند اليوم. ففي كل عام تقريبا، تخصص الموازنة الفيدرالية حصة قليلة لتشييد مساكن منخفضة التكلفة ؛ وفي كل عام تقريبا، يتوقع المواطنون أن تقوم شركات البناء الكبرى بجني الأموال من الأموال الفيدرالية دون توفير بلدات حقيقية يمكن العيش فيها. ونتيجة لذلك ، بات ما يزيد عن 10 ملايين منزل راقي في الهند ضمن الأماكن الشاغرة بينما تعيش نسبة كبيرة من سكان المدن الهندية في الأحياء الفقيرة.
ففي جميع أنحاء العالم النامي ، سواء في الهند أو البرازيل أو جنوب إفريقيا ، سيتم تقييم الحكومات بشكل متزايد من خلال المجتمعات التي تنشئها هذه الدولة. فالقيادة في كيب تاون بصدد السماح لتشييد المستوطنات غير الرسمية التي تشتهر بها جنوب أفريقيا ؛ وعلى الجانب الآخر ، تمهيد الطريق أمام التطور الجديد الواسع المعروف باسم بوابة “”إن تو” حيث يقوم السكان بالحث على تطبيق مبادئ دوشي.
فقد حان الوقت للمخطّطين المعماريين اليوم للتراجع والاستماع إلى أفكار دوشي ربما ، بعد التفكير في النظريات الخاصة بالهندسة المعمارية. ولا تزال أفكار ومبادئ “بيبودي ترست” الذي ابتكر عمليا نظرية السكن المنخفض التكلفة داخل المدينة تلوح في الأفق حيث تشترك العديد من مبانيه مع أشهر الشركات المتخصصة في الإنشاءات المعمارية التي تشبه مباني لندن بشكل ما. فعلى بعد خطوات من مباني البرلمان البريطاني في وستمنستر تظهر مجتمعات بيبودي تراست التي مثلت المنشأت الأكثر أمنا وأكثر قابلية للعيش ، في القرن التاسع عشر.و بالتأكيد تستطيع الحكومات أن تطبق الشيء نفسه في القرن الواحد والعشرين.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.