النجم المتوهج

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

النجم المتوهج

 

ولد في خرسان في مدينة طوس العتيقة، ولقد كان والده وعمه من فقهاء الدين الموقرين، تعلم في طفولته علوم الجبر والهندسة والفيزياء، وما لبث أن انتقل إلى نيسابور ليستكمل دراساته المتقدمة؛ فيذيع صيته عالماً في الرياضيات بين علماء نيسابور ومفكريها.. إنه المفكر العبقري محمد بن الحسن الطوسي.
انتقل الطوسي للعيش في قلعة “أَلْمُوت” التي تقع على مفترق طرق بين بلاد فارس القديمة وصحاري آسيا، وقد كانت فاتحة خير بالنسبة له، حيث وجد فيها الطوسي الموارد والأمن اللذين مكّناه من تحقيق أهدافه في مجال الفلسفة والرياضيات والعلوم والطب والفلك، ويصير له كتابات كثيرة في هذه المجالات. ويبقى الطوسي في القلعة خمسة وعشرين عاماً يستخدم مكتبتها الثرية في كتابة أحد أهم أعماله العلمية والفلسفية، أطلق عليه مذكرات عن علم الفلك، والذي كان له أثر كبير في علوم الفلك داخل العالم الإسلامي وخارجه، كما قام بدراسة لحركة الكواكب غيّرت المفاهيم المتعلقة بنظرية الكون التي وضعها بطليموس، وأسست بذلك للثورة التي أحدثها كوبرنيكوس فيما بعد.
برع الطوسي في مجال علم المثلثات وجعله علماً مستقلاً في بحوث الرياضيات، كما كتب كتاباً في الأخلاق كان له أثر كبير في زمانه. إلا أنّ أبدع ما قام به الطوسي هو المشروع الفلكي العظيم الذي لم يحدث من قبل، حيث كانت خطته أن يبني أكبر مرصد على الإطلاق، وبالفعل تم تشييد المرصد في مدينة “مراغة” والمعروفة الآن باسم أذربيجان، وهو مركز سماوي ضخم يتضمن أشياء لم يكن لها وجود من قبل، وقد وُضعت فيه آلات فليكة ضخمة ومتقدمة. ويعد هذا المشروع عصارة الثقافة الفلكية لبلاد الصين البعيدة والتي هضمها الطوسي بشكل مُلفت. ولعل ذلك يفسر وجود مكتبات ملاصقة لمرصد الطوسي تسمح للعلماء الصينيين والفارسيين والعرب بالبحث في أي شيء له علاقة بالعلوم.
أصدر الطوسي بياناً ضخماً بأسماء النجوم وحركات الكواكب، وقد كان البيان حصاد أعوام من العمل الشاق في الملاحظة والحساب، كما عالج بشكل متطور نظام كواكب بطليموس، حتى عُرفت المعالجة باسم “ازدواج الطوسي”، والعجيب أن كوبرنيكوس كرر هذه المعالجة، واحتار العلماء في تفسير ذلك، وقيل إن كوبرنيكوس اقتبس هذه النظرية من الطوسي.
كتب الطوسي بحوثاً عميقة عن الاسطرلاب، وقدم تعليقات غزيرة في الرياضيات المتقدمة وحساب المثلثات، وكتب مجلدات عن المعادن ونظرية التلون، وكتب في الطب والأخلاق والفلسفة.
لقد كان الطوسي مثل النجم المتوهج الذي استمد منه علماء عصره والعصور التاليات بعده الوهج العلمي الذي أبقاهم جميعاً علامات مضيئة في جبين التاريخ.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.