القراءة والثقافة سكة نسلكها باطمئنان لنعزز أهدافنا وطموحاتنا ونحققها

على هامش الرواية.. الكتابة بوح الروح وملجأ إلى السكينة

الرئيسية مقالات
نورة الحوسني: زوجة شهيد الإنسانية

على هامش الرواية.. الكتابة بوح الروح وملجأ إلى السكينة

عندما تعصف بنا الحياة أحياناً وتحملنا رياحها، بعكس ما تشتهي سفننا، تبدو الكتابة ملاذنا إلى السكينة والملجأ الذي نسعى إليه بأعبائنا كي نستريح. وأي راحة تفوق تلك التي تتملكنا، ونحن نبوح لأوراقنا البيضاء بما تجيش به نفوسنا من أحاسيس ومشاعر.
قبل أيام وقَّعتُ روايتي الأولى بعنوان “كنت معي” تلك الرواية التي كنت أكتب كلماتها وأرصفها بتؤدة، كما يرصف صانع الفسيفساء لوحته، لأنها كانت وسيلتي للكتابة، وسبر غورها، في وقت كانت تتملكني فيها أحاسيس الحزن لرحيل زوجي الشهيد، وكالحمى تملكتني رغبة الكتابة و أنا أراقب سيرورة الزمن من دون من أحببت، ومن دون أن أدري رأيتني أندرج في متاهات العمل الأدبي وتشعباته. فتارة أخربش بقلمي أشعاراً، هي نبض حنيني إلى الماضي أو تأملات في واقع وجدت نفسي فيه فجأة. وتارة أخرى أعود لإكمال روايتي التي بدأتُ برصف كلماتها في عقلي، قبل أن تترجمها يداي على الورق.
وإذا كان أي فعل نرتكبه، لابد أن يخفي وراءه منفعة أو هدف ما. فإن الكتابة تبدو ذلك الاستثناء، بالنسبة للكثير من الأدباء.
فهو ما دفع الكاتب المصري مكاوي سعيد الحاصل على جائزة سعاد الصباح عن مجموعته الأولى “الركض وراء الضوء” يقول :إن الكتابة هي التي منحتني حب القراءة وجعلتني أشعر بالتقدير. ورغم أنني عملت في مهنتي كمحاسب في كبرى الشركات المالية وكمدير مالي في بعض شركات إنتاج وتوزيع الدراما إلا أن القليل الذي أناله من الكتابة أسعدني أكثر لأنه أحسسني أني أنال مكسباً من شيء خلقت له”.
إن هذه الأقول التي سقتها تشبه تماماً تلك المشاعر والأحاسيس التي تملكتني، و أنا أغوص سابحة في بحر الأدب والكتابة الروائية، لأنها نقلتني في الواقع إلى عوالم أخرى، أشد إبهاراً وتشويقاً من أي عوالم دخلتها في حياتي، لأنها تشبه نبض الروح بالنسبة لي.
لقد رحت ألاحق حروفي التي كتبتها مرة ومثنى وثلاث، وأعيد صياغة كلماتي في تلك الرواية التي أردتها أن تكون مرآة للكثير من تفاصيل مجتمعنا، وعاكسة لهموم تعيشها الكثيرات من النساء في هذا العالم، مشكلات تصنع أحيانا بأيدينا وأخراها يفرضها علينا الواقع أو الآخر. ولذا حاولت في روايتي أن أكون ذلك الصوت للكثير من الصامتات، والمحتجبات خلف أسوار القيود، أو العادات، اللائي تمر عليهن الحياة سريعاً، من دون أن يتركن أثراً، أو حتى أن تترك الحياة وتفاصيلها أي أثر فيهن.
رواية كنت معي كانت بالنسبة لي ذلك المركب الذي امتطيته لمواجهة أمواج الحياة، ليحملني إلى ضفاف السكينة والأمان.
وأراني في هذه المناسبة، مدعوة إلى التأكيد على أهمية القراءة والثقافة في حياتنا، ليس من باب الترف الفكري، كما قد يتخيل البعض، وإنما لأن القراءة والثقافة هما السكة التي عليها يمكن أن نسير باطمئنان إن أردنا أن يكون لحيواتنا معنى.
زد على ذلك أن الإقدام على تعميم مفهوم وعادة القراءة، والسعي الحثيث نحو الثقافة، من شأنه أن يفسح المجال لآلاف الأقلام التي تبحث عن جدواها، والتي يقف أصحابها كمتفرجين على الرصيف في مسرحية الحياة.
فالثقافة كما هو معلوم تلعب دوراً جوهرياً في بناء الانسان وتطوير المجتمع، كما أنها تساهم بشكل كبير في بلورة الوعي الإنساني، خصوصاً عندما تكون هذه الثقافة ذات طابع ومضمون وطني وحضاري موجه.
كما أن الثقافة بالإضافة إلى أهميتها الجمالية والمعنوية، فإنها جد ضرورية لمواجهة قهر الحياة وتحديات العصر ومشاكله المختلفة. فبالثقافة نتعلم كيفية مواجهة ما يعترينا من أزمات، لا سيما عندما تكون نابعة من الواقع الحياتي المعاش وليس من واقع الشعوب الاخرى .
والحقيقة أن ما يحضرني هنا ايضاً، هو ذلك الإقبال الذي يدعو إلى الفرح والغبطة، الذي رأيته، في معرض الشارقة للكتاب على الثقافة والكتب،حيث بدا المعرض كخلية نحل نشطة، فجمع في جنباته، الكثير من الأدباء والكتاب والصحفيين والفنانين، إضافة إلى الطلبة والأسر الإماراتية، وأسر القاطنين في ربوع الإمارات، التي وفرت بجوها الآمن والثقافي مناخاً رائعاً، تحترم فيه الكلمة،ويجد المبدعون فيه ضالتهم لكي يسهموا في حركة الحياة ومسيرة البناء الثقافية الحضارية في هذا البلد المضياف.
أشياء وملاحظات كثيرة استدعت انتباهي وأنا أوقع روايتي الأولى” كنت معي” جعلتني،أعيش تجربة فريدة ورائعة، جمعتني بأصحاب أقلام اخضوضرت فأينعت وأثمرت إبداعاً رائعاً، وبأشخاص توّاقين إلى المعرفة، ساعين إلى الثقافة بشغف.
وأخيراً وليس آخراً لا يفوتني في هذه العجالة، أن أتقدم بالشكر الجزيل، لقيادتنا الرشيدة التي مهدت السبيل لهذه المحافل الثقافية، التي تتكرر في ربوع إماراتنا، معبرة عن سعادتي الكبيرة أولاً لكون توقيع روايتي الأولى يأتي في العام الذي يحتفل فيه شعبنا بذكرى قائد كبير، في عام الراحل والدنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله- ذلك القائد والإنسان الذي أسس لهذه النهضة الحضارية والثقافية، قولاً و عملاً. فكان الرائد الأول في الثقافة وكانت مدرسته تلك المدرسة التي نهلنا منها محبة العلم والمعرفة، وحب الوطن أيضاً. ثانياً لتزامن يوم حفل توقيع روايتي مع يوم رفع علم بلادي الحبيبة يرفرف عالياً في سماء الوطن وفي ربوعه، فهو يوم مميز لي بإضافة إسمي مع أسماء الروائيات الإماراتيات. فتحية بهذه المناسبة لروحه الطاهرة، وتحية لأرواح شهداء الإمارات، الذين كتبوا حبهم لوطنهم بالدماء، والتحية لكل صاحب قلم جديد يسعى صاحبه إلى الإبداع. ولكل فنان يعبر بريشته عما يحمله من فن وذوق في ذاته.
و لا ننسى هنا أن أتوجه بالشكر و الامتنان الكبيرين لدار مداد للنشر و الطباعه لاحتضانها الكثير من الأقلام المبدعه و لكل العاملين فيها لتعاونهم معي في هذا العمل الأدبي و إخراجه بالشكل المطلوب و ساهموا مشكورين بإخراج هذه الرواية إلى النور. و أكرر التحية أخيراً لكل من يساهم في بناء وطننا الحبيب ويعمل لرفع رايته عالياً كما يستحق.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.