د. محمد سعيد

بناء الإرادة

الرئيسية مقالات

بناء الإرادة

كان دائم الخوف، ليس له حديث إلا عن مخاوفه؛ من الفقر، والنقد، والمرض، والحرمان من الحب، والشيخوخة، والموت. إنه خوف مرضي يُنغّص الحياة ويُذهب بالسعادة، وخوف صاحبنا صبغ مسارات حياته، فَوَجّهه طوع إشاراته، ووفقاً لإيحاءاته، وأكسبه اليأس؛ فصده عن العمل، وأفقده الأمل.
وأول أنواع خوفه كان من الفقر، وهو من أخطر أنواع الخوف لأنه يوقف التفكير ويقتل الضمير، ويفقد الطموح ويضعف اليقين. ومن أجل هذا كان خوف الفقر لدى صاحبنا مرعباً شديداً، ولاسيما مع استشعار من يفقد المال بالعوز والمذلة.
كما كان يخاف من النقد ومن تعليقات الناس، وهذا الخوف كان يسيطر على صاحبنا لدرجة كبيرة؛ فقام بكثير من الأعمال بدافع هذا الخوف بغض الطرف عن قناعاته الشخصية بما يقوم به. ثم جاء الخوف من المرض مسيطراً عليه حيث يُشعره المرض بقربه من الموت، وقد استغل كثير ممن يحيطون به ذلك؛ فأغرقوه في علاج لأمراض ناشئة عن وَهْم. وانتهى خوفه من المرض إلى مرض حقيقي، وكثيراً ما تحدث صاحبنا عن سوء صحته أو تغيّر لونه؛ فإذا به يشعر بالضعف والتخاذل والمرض. كما عانى صاحبنا من خوفه من فقدانه لمن يحب؛ فلطالما استشعر انصراف محبوبه عنه إلى غيره، مما جعله كثير المؤاخذة على من يحب في الأمور الوهمية، ومبالغاً في عتابه.
ثم جاء خوفه من الشيخوخة التي قد تعجزه عن التكسب؛ فيكون ساعتها عالة على غيره، فيحرم وسائل العيش الكريم، وسبب خوفه أيضاً من الشيخوخة أنها نذير الموت، والموت بغيض مخيف بالنسبة له. ثم جاء الخوف من الموت كأشد أنواع الخوف، فقد كان خائفاً مما سيتلو هذا الموت؛ فهو يرى أنه لم يُرض الله بكثير من أعماله، كما أن الموت سيفرق بينه وبين الأهل والخلان. وهو في خوفه من الموت بين أمرين؛ بين زهد وانقطاع للعبادة، وبين اضطراب عقلي لا يُقْدم معه على عمل يَصلحُ لدنيا و لا يُعمر دين.
والعلاج يكمن في حماية النفس من مؤثرات الخوف الذي يُثار بدافع ذاتي أو بدافع من المحيطين بنا، ولنبتعد عن ضعاف العقل والقلب والروح، ولنكن على يقين أن لإرادتنا قوة نستطيع بها أن نزيل أية مخاوف، وأن نبني بها حاجزاً يحول بين أنفسنا ومخاوفها، ولنبعث في قلوبنا الأمل والطموح الذي يبني الإرادة، ولنعلم أن توقع الشر أسوأ من الشر نفسه؛ مما يستوجب التهوين على النفس، ومن المهم تحليل أسباب الخوف مستبعدين مسبباته، ولنجعل حياتنا عملاً مستمراً، ولنتمسك بالإيمان، ولنعلم أن ما أصابنا قد كُتب لنا.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.