اللمسات الأخيرة للشمال السوري

الإفتتاحية

اللمسات الأخيرة للشمال السوري

على مدى أيام، حيث كانت الأنظار تتجه إلى منطقة شمال شرق سوريا وبالتحديد إل مدينة “منبج” التي تقطنها أغلبية كردية، كانت الأخبار المتضاربة تنقلب 180 درجة على مدار الساعة، من قبيل: تركيا والمليشيات المدعومة منها على خلاف مسمياتها سوف تدخل المدينة، وثانية بدء دخول القوات الحكومية السورية إلى المدينة، وثالثة قوات فرنسا موجودة وماضية بمهمتها، ورابعة القوات الأمريكية تبدأ الخروج، وخامسة تحديد المهلة المحددة للانسحاب الأمريكي، كل هذا على وقع الحشود التي يتم تعزيزها من قبل تركيا على الحدود السورية.. وفجأة الإعلان بدء انسحاب القوات التي أعدتها تركيا لاستهداف منطقة منبج بحجة مهاجمة القوات الكردية، ثم خفت الأخبار كثيراً وعاد الترقب ليكون سيد الموقف.
هذه الفوضى في الأخبار المتضاربة، لم تكن تطورات بقدر ما كانت انتظاراً للموقف الأمريكي تجاه أي تحرك يقوم به طرف ثالث مع الأكراد، لأنه يعني الجميع وبالتالي يحدد نجاح التحرك من عدمه، ثم كانت الأنظار تتجه إلى جولة المباحثات الروسية التركية، والتي أعطت مؤشراً قوياً أنه لم ولن يكون مسموحاً لتركيا وإن عبر المليشيات السورية العاملة معها أن تدخل مناطق الأكراد تحت أي مبرر كان، والدليل أن الانسحاب من حدود منبج “تم” بعد أن كانت تعلن أن عملية عسكرية كبرى قد تجري في أي وقت.
الأكراد بدورهم يدركون أن أي محاولة للانفصال تحت عناوين حكم ذاتي أو إدارة ذاتية أو ما شابه، لن يكتب لها النجاح، فتجربة كردستان العراق لا تزال قريبة وقدمت الكثير من الاستنتاجات، والتعويل على دعم أمريكي لخطوة كهذه، نوع من الوهم، فواشنطن لن تعادي وقائع الجغرافيا وعدة دول لتسمح بنشوء كيان محكوم عليه بالفشل لأسباب كثيرة، أهمها: أن دول المنطقة كتركيا والعراق تدرك أن المشروع يتجاوز المساحة المحددة في سوريا، ويشمل أراض من الدولتين، وبالتالي سوف يحرك باقي الأكراد في تلك الدول، وثانياً أن المنطقة المعنية في سوريا هي عصب الإمكانات الاقتصادية، كونها تحوي آبار النفط والأراضي الزراعية التي تكفي حاجة البلد، وبالتالي لم ولن يكون التسليم بها سهلاً، خاصة أن الكثير من سكان تلك المناطق عانت جموح قوات محسوبة على الأكراد وعمدت إلى الاستعداد لتأسيس جيش عشائري يولي دمشق الولاء والتحالف، وبالتالي ليس من صالح أحد أن يجد نفسه في مواجهة قرابة 300 ألف مسلح على رقعة تعادل قرابة 35 بالمائة من مساحة سوريا.
اليوم الأكراد يمرون في فترة مصيرية من تاريخهم السياسي، لهم كل الحقوق ويجب منحها لهم، وعليهم أن لا يتصرفوا بطريقة تعطي أي مبرر لتركيا لتحرك القوات والمليشيات التابعة لها، أو يقدموا على أي تصرف يشكل انطباعاً بمعاداة شرائح واسعة من الشعب السوري، فسوريا لجميع أبنائها ومكوناتها ولا يمكن التهاون مع أي محاولة لتقسيمها أو منح العذر لاحتلال قسم منها قد يكون كارثة عليها حاضراً ومستقبلاً.. سوريا حاضنتها الرئيسية هي الدول العربية، وجميع المواقف طوال الأزمة أكدت أن تقسيمها خط أحمر ولن يكون ذلك ممكناً أبداً، وبالتالي التصرف وفق هذا الاتجاه سيكون أقرب الطرق نحو بر الأمان.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.