قصة كفاح

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

قصة كفاح

ولد في مدينة “مدراس” الهندية في خواتيم القرن التاسع عشر لأسرة فقيرة للغاية، ولم يحصد من العلم إلا قليلاً؛ إلا أنه علّم نفسه بنفسه دون أن يحصل على أية شهادة علمية وفق أي نظام تعليمي، مما يشف عن قدرة ملفتة في التعلم الذاتي، ولقد اكتشف عشقه للرياضيات من خلال إدراكه للعلاقات بين الأرقام وتشكيل المعادلات الرياضية التي عجز عنها كثير من علماء عصره، وقد عرف ذلك عندما وقع بين يديه كتاب “ملخص النتائج الأولية في الرياضيات البحتة والتطبيقية”، حيث انتبه للمعادلات والرموز الرياضية؛ فشدت انتباهه وملأت عليه وجدانه..إنه العالم الشاب “سرينفاسا رامانجن”.
في مطلع شبابه زوّجته أمه من فتاة لم تعش معه كثيراً، ولم يمنحها من حبه إلا قليلاً، حيث لم يستطع قلبه أن يجمع بينها وبين الرياضيات. بحث “رامانجن” كثيراً عن فرص للعمل وفرص أخرى للدراسة، إلا أنه لم يحظ إلا بالسخرية والاضطهاد، وفي نهاية المطاف استطاع الحصول على وظيفة في ميناء “مدراس” وقد ساعده مديره في التواصل مع أستاذ في جامعة “ترينتي” البريطانية، حيث عرض على هذا الأستاذ بعض معادلاته الرياضية؛ فبُهر الأستاذ بقدرات هذا الشاب، ودعاه للسفر إلى بريطانيا للتسجيل في الجامعة.
عمل “رامانجن” بجوار العالم الكبير “هاردي” لتفسير المعادلات الرياضية التي كانت تصاغ في ذهن “رامانجن” دون وعي أو تبرير، فكان عقله يلح عليه بصيغ عديدة للمعادلات، وكانت القضية الأهم هي محاولة تفسير هذه المعادلات وإثبات صحتها.
لم يحظ “رامانجن” بقبول أعضاء جامعة “ترينتي” حيث لم يروا فيه إلا عجرفة وادعاء للمعرفة لا ينبغيان لهندي فقير. وما هي إلا سنوات معدودات من العمل المضني حتى استطاع أن يفسر ظواهر رياضية غير اعتيادية. ولكن القدر امتحنه بمرض في صدره لم يكن معروفاً في وقته، وقد أعجز الأطباء اكتشاف علاج له، مما دفعه إلى محاولة الانتحار. وبعد شفاء مؤقت من هذا الداء، قدّم سبقاً علمياً غير مسبوق حيث توصل لحل بعض المعضلات الرياضية، حظي على أثر هذا السبق باعتراف كلية “ترينتي” وعضوية الجمعية الملكية في بريطانيا وهو في الثلاثين من عمره.
قرر “رامانجن” العودة إلى الهند، وقد ترك أوراقه البحثية في مكتبة جامعة “ترينتي”، وفور وصوله إلى الهند عُرض عليه العمل في جامعة “مدراس” ولكن المرض قد عاوده ليقضي عليه ولم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره.
إنها قصة كفاح ختمت بنهاية درامية، ملخصها أن العبقرية تولد ولا تكتسب، والموهبة إذا صادفت أرضاً خصبة أثمرت إنتاجاً وفيراً، وإبداعاً أصيلاً، وإنجازاً نوعياً فريداً.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.