ترامب هو الاختبار الحقيقي لانهيار الاقتصاد الأمريكي

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن شبكة "بلومبرغ" الإخبارية نوح سميث

 

في العادة ليس بإمكان أي رئيس للولايات المتحدة أن يقوم بفعل الكثير للتأثير على الاقتصاد الأمريكي. فعندما يقال أن الرئيسين السابقين باراك أوباما أو جورج دبليو بوش ساعدا على خلق العديد من الوظائف فهذا الأمر ليس حقيقيًا بالمعني الحرفي حيث أن ما أوجد حقا تلك الوظائف كانت القوى الاقتصادية الواسعة والمعقدة التي يؤثر عليها الرئيس بشكل هامشي فقط. فمن أجل تغيير مسار الاقتصاد يتعين على الرئيس أن يسن سياسات جريئة وفعالة مثل الحوافز المالية وتخفيضات الضرائب أو وضع خطة كبيرة للبنية التحتية ثم يواجه الكونغرس للموافقة على مثل تلك السياسات الكبيرة، تمامًا مثلما فعله ترامب لسن قوانين التخفيض الضريبي. لذا حتى لو كانت تأثيرات القوانين التي يقترحها الرؤساء بسيطة أو كبيرة فمن الصعب تقدير مدى قواتها على الاقتصاد لكننا مع ذلك نميل إلى إعطاء الرؤساء الكثير من الفضل للأوقات الطيبة ولومهم على الأوقات السيئة التي تمر بها البلاد. في الواقع  هناك بعض الحالات التي يستحق الرؤساء فيها الكثير من الامتنان أو اللوم. مثلما حدث خلال الأزمة المالية لعام 2008 عندما تم السيطرة على بعض اضطرابات الأسواق المالية في البداية وعلى نطاق محدود وكان لذلك تأثير كبير على الاقتصاد. هذا وقد لاحظ العديد من الاقتصاديين لعدة عقود أن النظام المالي نفسه هو شيء هش أصلاً، فالبنوك تخضع للتشغيل وأسواق الأصول عرضة للانهيارات وشبكات العلاقات المالية عرضة لأزمات الثقة، لذا هناك دائمًا احتمال بأن يبعث الرئيس التشاؤم أو الذعر في النظام في لحظة ضعف مما يعجل بحدوث أزمة كبيرة. للأسف، في الأسابيع الأخيرة اتخذ الرئيس دونالد ترامب عدة خطوات قد تؤدي في النهاية إلى إثارة ذعر كهذا. أولاً ، ضيق الخناق على حكومات الولايات في محاولة لإجبار الكونغرس على تمويل مشروع الجدار الحدودي مع المكسيك. ثانيا ، استمر ترامب في انتقاداته لبنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي رفع أسعار الفائدة على المدى القصير. حيث حاول العديد من الرؤساء في الماضي أن يضغطوا على البنك لخفض معدلات الفائدة، من أجل خلق عثرة للاقتصاد (وبالتالي تحسين احتمالات إعادة انتخابهم) ولكن بدلاً من التنمر على مسئولي الاحتياطي الفيدرالي كما فعل الرؤساء السابقون، فقد عبّر ترامب عن انتقاداته عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي المقابلات الصحفية ، مما جعل الصراع بين الرئاسة والبنك أكثر حدة، وأخيرًا، أعلن وزير المالية في إدارة ترامب، ستيف منوشين، مؤخرًا أنه اتصل بعدد من كبار قادة البنوك لضمان “توفر السيولة الكافية” ، وعقد اجتماعًا طارئًا لأهم الهيئات التنظيمية المالية في البلاد. لذا، إذا كانت هناك بالفعل أزمة مالية على وشك الحدوث فسيكون هذا الإجراء مناسبًا للغاية ولكن إذا لم يكن هناك أزمة من الأساس، فإن مثل هذه الخطوات – التي تشير إلى وجود اضطراب مالي – يمكن أن تعجل بحدوث أزمة من الا شئ. هذا بجانب أن مجرد الإعلان عن المكالمات الهاتفية والاجتماعات التي أجراها الوزير علنا ??يعد خطأ كبيرًا.

ولكن هل سيؤدي الموقف الذي سيتخذه ترامب إلى الإضرار بالاقتصاد علي المدى الأوسع؟ إذا كان النظام المالي سليمًا بشكل أساسي، فسيبدو ذلك مستبعدًا، ولكن إذا كانت الضغوطات ونقاط الضعف قد تراكمت إلى أخطر مستوياتها، سيعتبر الشك الناجم عن كلمات الرئيس وأفعاله كافياً لتقليص النظام والاتجاه إلى ركود اقتصادي. هناك كذلك العديد من  العلامات التي تدل على أن الضغوط بدأت بالفعل في التراكم حيث  بلغت ديون الشركات مستويات قياسية كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي. من المحتمل كذلك أن يؤدي عدم اليقين في العمل تجاه إغلاق الحكومة أو تجاه إجراءات ترامب الأخرى إلى حدوث عمليات بيع في هذه الأسواق قد تجعل البيانات المالية الصادرة عن وزارة الخزانة من البنوك العامة والمؤسسات المالية. فالحروب المفتوحة بين ترامب والاحتياطي الفيدرالي قد تثير المخاوف من أن البنك المركزي قد يتحدى الرئيس ويرفع أسعار الفائدة من أجل إثبات حصانته وقوته في مواجهة ترامب مما يمكن أن يقلل من قيمة ديون الشركات. بالفعل، هناك علامات تثير التوتر.حيث يقوم المستثمرون بسحب الأموال من كل من السندات غير المرغوب فيها والقروض المستدانة .ويتم تسعيرها بسعر مخفض، في حين ارتفعت عائدات السندات غير المرغوب فيها بشكل حاد مع انخفاض الأسهم. هذا وقد لاحظ خبراء الاقتصاد أن فترات الركود الاقتصادي عادة ما  تسبقها فترات من عدم اليقين الشديد بشأن السياسة وعلى الرغم من عدم وضوح الطريقة التي تسير بها هذه العلاقة السببية بينهم، إلا أنه لا يزال من الممكن أن تدفع هذه السياسات الغير مدروسة لتوجيه الأسواق المالية الضعيفة إلى طريق الذعر والركود الاقتصادي. فإذا نجحت توجهات ترامب الخاطئة في إدخال الفوضى إلى سوق الديون الهزيلة بالفعل ، فقد يعجل هذا الرئيس بدخول البلاد إلى دوامة الركود.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.