ألمانيا اليوم مختلفة

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "واشنطن بوست" جورج ويل

 

لقد أصبحت السياسة الأوروبية الآن تشهد العديد من التوترات والتطورات، ففي عام 2015، اختارت أنجيلا ميركل، أول مستشارة اتحادية من ألمانيا الشرقية، أن تستقبل في ألمانيا حوالي مليون شخص ، كثير منهم سوريون ، فروا من المذابح في بلادهم. (كنسبة مئوية من سكان ألمانيا ، كان هذا العدد يوازي الأربعة ملايين مهاجرًا الذين استقبلتهم أمريكا في نفس الفترة). أثار هذا التدفق السكاني قلق أوروبا حول الهجرة التي تهدد التماسك الاجتماعي ، مما ساهم في التصويت بنسبة 52 إلى 48 بالمائة في استفتاء عام 2016 لانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي رغبًا في منع تلك التدفقات إلى بلادهم. أما في عام 2019 ، كانت تيريزا ماي ، التي لم تكن بعد رئيسة وزراء بريطانيا عندما تم إجراء الاستفتاء السابق، تقود، أو تحاول أن تقود حزبًا متصدعًا لا يستطيع الحكم لأنه لا يمثل الأغلبية ولا يمتلك أي خطة قوية يمكن تفعيلها، ولكنها استندت على رغبة الناخبين المستمرة في بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي.
على الجانب الآخر، في ألمانيا، مازالت المستشارة الألمانية ميركل تتساءل منذ سنوات عن المسؤول الحقيقي عن الاتحاد الأوروبي، ولكن في بلادها قد ساعدت ميركل وبشدة في دعم رغبة ألمانيا الأساسية في الاستقرار ، وهي الرغبة التي شكلت ثابت وطني كبير منذ أن كانت كون أدينور أول مستشارة لألمانيا الاتحادية من عام 1949 إلى عام 1963.
في عام 2000، أصبحت ميركل زعيمة الاتحاد الديمقراطي المسيحي لـ”أديناو”، هذا الحزب الذي لم يكن له سوى ثلاثة قادة خلال 45 عامًا. في عام 2005 ، أصبحت ميركل هي المستشارة وحظت بالمنصب الذي ستحتفظ به لمدة 4800 يوم، فرانكلين روزفلت على سبيل المثال كان رئيسًا للولايات المتحدة لمدة 4.422 يوم.
أما في فرنسا، فقد اعترض المحتجون ذوي “السترات الصفراء” مؤخرًا على سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون بعنف شديد (كحرق السيارات وتحطيم نوافذ المتاجر) مما دفع الحكومة للرضوخ إلى مطالبهم حيث انخفضت الضرائب وزادت الاستحقاقات. لذا، فإن ألمانيا المستقرة باتت في الوقت الحالي أكثر أهمية لأوروبا مما كانت عليه عندما قال كيسنجر أن ألمانيا أكبر من اللازم بالنسبة لأوروبا وصغيرة جداً بالنسبة للعالم، وبالمقارنة أيضًا مع معارضة الزعيمان الكبار لأوروبا في فترة ما بعد عام 1945 ، شارل ديغول ومارغريت تاتشر ، للتطلع إلى توحيد سياسي أكثر عمقاً لأوروبا. حيث شهدنا أزمة ألمانيا القومية بعد نكسة ما بعد عام 1945.
لم تكن أي أمة أوروبية ساحرة كما كانت ألمانيا من خلال أحاديث الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ، ولكن ابتذال خطابات دونالد ترامب جاءت للقضاء على تلك الفكرة. هذا الأمر يشكل أهمية خاصة وكبيرة في هذه اللحظة حيث اتضح وبشكل كبير أن ألمانيا تعتمد بشكل ضروري على الأمن في الولايات المتحدة حيث تعيش ألمانيا في الجوار مع دولتين هما بولندا والمجر ، اللتان تتمتعان بأنظمة شعبية غير ليبرالية. في نفس الوقت يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زعزعة استقرار وتقطيع أوصال الأمة الأوروبية الأكبر جغرافياً، وأوكرانيا هي أكبر مثال على ذلك. كما أنه تم التصريح من قبل عن رغبة ألمانيا في تجهيز “جيش أوروبي حقيقي” من أجل “حماية البلاد فيما يتعلق بالصين وروسيا وحتى الولايات المتحدة”.
لدى ألمانيا حزبين من أحزاب العالم الكبرى ، الحزب الديمقراطي المسيحي ، والحزب الديمقراطي الاجتماعي ، الذي اخترع في القرن التاسع عشر الديمقراطية الاجتماعية التي ساعدت على استنزاف التيار الثوري من اليسار. كلاهما في حالة تغير مستمر. حيث يواجه حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي تحديًا من اليمين عن طريق  األمانيا (وهو موضوع عمود لاحق سأكتب عنه بالتفصيل) وحزب الإصلاح الاجتماعي الذي انهار كشريك صغير في ائتلاف ميركل. يحجب حزب الخُضر الحزب الديمقراطي الذي يتنافس دعمه مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ، وهو أكثر الأحزاب شعبية بين النساء الألمانيات. مع ذلك ، فإن الثقافة المتطرفة خاضعة
لقوانين الثقافة المدنية التي تقدر الاستقرار بدرجة كبيرة ، حيث أظهر استطلاع للرأي تم إجراءه في هذا العقد أن العديد من الألمان يخشون التضخم، وذلك لأن التضخم المفرط الذي حدث منذ 95 عامًا اتصح أنه حدث في نهاية المطاف بسبب عدم الاستقرار ، أكثر من الخوف من السرطان أو الأمراض الخطيرة الأخرى.
سيكون العام القادم هو الذكرى الثلاثين لإعادة توحيد ألمانيا وستشهد هذه المناسبة اعتراف العالم بأن ألمانيا اليوم هي أفضل من ألمانيا التي شهدها العالم منذ عام 1871.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.