خاص بالوطن عن "واشنطن بوست" روبيرت صامويلسون

الاقتصاد العالمي ونتائج التأثير الصيني

الرئيسية مقالات

 

قد تكون الصين بالنسبة للولايات المتحدة صفقة اقتصادية أكبر مما كنا نظن. حيث يعرف الجميع تقريبا أنه خلال العقود الثلاثة الماضية انتقلت الصين من كونها دولة ضخمة ولكن فقيرة إلى أكبر بلد مُصدِر في العالم وثاني أكبر اقتصاد، والآن أظهر تقرير جديد عمل عليه اثنان من خبراء الاقتصاد أن تطور الاقتصاد الصيني بذلك الشكل يفسر الكثير من الأمور. على وجه التحديد، اتضح أن التقدم الصيني قد عزز ثلاثة اتجاهات عالمية رئيسية وهي انخفاض أسعار الفائدة التي تدعم أيضا أسعار الأسهم، وانخفاض أجور العمال وتزايد عدم المساواة الاقتصادية.
السبب الرئيسي لهذه الآثار الجانبية الضخمة هو تغير السكان، وهو الأمر الذي أكده تشارلز غودهارت من كلية لندن للاقتصاد ومانوج برادهان من مؤسسة مورغان ستانلي. حيث أدى تواجد مئات الملايين من العمال الصينيين في الاقتصاد العالمي إلى إضعاف الأجور العالمية وخلق وفرة من الوفورات العالمية، وأدى ارتفاع الأجور إلى تفاقم عدم المساواة وانخفاض أسعار الفائدة.
الحساب الديموغرافي الحاسم للاقتصاديين أظهر أنه في عام 1990، كان هناك اقتصاد عالمي يتألف في معظمه من البلدان الصناعية، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وبعض الدول الآسيوية الغنية. وقتها كان يبلغ عدد السكان في سن العمل (أي ما بين 20إلى64 عامًا) 685 مليون نسمة من النساء والرجال، وبحلول عام 2014 نمى هذا العدد بنسبة 11 في المائة ليصل إلى 763 مليونا. بعد ذلك عزلت الصين والبلدان السوفياتية السابقة في أوروبا الشرقية نفسهم بشكل أساسي عن هذا النظام العالمي، وفي الفترة ما بين عامي 1990 و2014، عادوا ليندمجوا بشكل واسع مع الاقتصاد العالمي مضيفين بذلك 1.12 مليار عامل إلى القوى العاملة العالمية.
يذكر غودهارت وبرادهان أن “الأرقام المرتبطة بهذا التكامل كبيرة بشكل لا يصدق”. فخلال ربع قرن زادت قوة العمل العالمية المحتملة لأكثر من الضعف مقارنة بما كان سيحدث لو استمرت الاتجاهات السائدة في عام 1990. حيث أن وفرة العمالة أحدثت ضغط متواصل على اتجاه انخفاض أجور العمال ومدخرات تقاعدهم بينما كانت الشركات تكافح من أجل التوسع والاستمرار بعملها. هناك المزيد أيضًا حيث أكد جودهارت وبرادهان أن التركيبة السكانية الحالية تتأرجح في الاتجاه المعاكس. فما كان صحيحا بالأمس قد لا يكون صحيحا غدا. فأولا، ارتفاع عدد العمال الجدد يتراجع مما سيؤثر بالطبع على أسواق العمل وستبدأ الأجور الحقيقية (الأجور المعدلة للتضخم) في الارتفاع وبالتالي تتضاءل ألا مساواة. ثانيًا، ومع تقدم المجتمعات، فإن معظم الدول الصناعية، إن لم يكن جميعها، تواجه أزمة تغير السكان التي تعكس طول العمر المتوقع للأفراد وانخفاض معدلات المواليد مما يقلل المدخرات أو جعلها تتلاشى من الأساس، والسبب في ذلك أن كبار السن سوف ينفقون حسابات تقاعدهم مما يجعل رأس المال أكثر ندرة وبالتالي سوف ترتفع أسعار الفائدة.
ما الذي ينبغي فعله إذا؟ إذا كان غودهارت وبرادهان صحيحين فيما يعتقدونه، فعلينا أولا الاعتراف بمحدودية قدرة الحكومات على تشكيل المستقبل. حيث أن ما يحدث خارج عن إرادتنا، ولا يمكن لمعظم الحكومات أن تنظم الاتجاهات الأساسية إلا بطرق غير مباشرة لأنه من الصعب التحكم في معدلات الخصوبة أو متوسط العمر المتوقع. إلا أن سياسة الطفل الواحد في الصين، التي ألغيت الآن، كنت استثناء واضح لذلك.
في النهاية يمكن أن يكون هناك العديد من التفسيرات المحتملة الأخرى للاتجاهات التي سلط غودهارت وبرادهان الضوء عليها. فكثيرا ما يشار إلى التكنولوجيات الجديدة والحاجة إلى مهارات أعلى باعتبارها أسبابا لزيادة عدم المساواة في الأجور، وكثيرا ما تعزى أسعار الفائدة المنخفضة إلى ضعف الطلب من جانب المؤسسات التجارية للمعدات الجديدة، وهي نتائج محتملة للأزمة المالية في الفترة ما بين عامي 2008و2009.

علق الاقتصادي تيموثي تايلور على تقرير غودهارت وبرادهان بأن نظريتهم تعتبر مجرد “تكهنات قابلة للتصديق”، وفي رأيي هذا الحكم عادل، لأننا بحاجة للمزيد من الأدلة قبل أن نقبل نظريتهم باعتبارها حقائق ثابتة. إلا أن الدرس الأساسي من كل السابق هو أن الصين، بحجمها الهائل، تمارس تأثيرا كبيرا على الاقتصاد العالمي. فما يحدث بداخل الصين لا يؤثر على الصين وحدها بل على العالم كله.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.