د. محمد سعيد

قوى الإيمان

الرئيسية مقالات

قوى الإيمان

 

في القرن الثامن عشر اكتشف الطبيب النمساوي “فرانز أنتون ميسمر” وسيلة فريدة لعلاج مرضاه، وذلك من خلال وضع مغناطيس على جسد المرضى، وقد وجد أن هذه الطريقة تستجلب الشفاء، ومن ثمّ قام الطبيب نفسه بوضع قطع الزجاج والمعادن على أجساد مرضاه؛ فوجد لها التأثير نفسه، ثم انتقل إلى وسيلة أخرى قام فيها باستخدام يديه فقط من خلال تمريرها على جسد المريض، وقد أشار إلى أن السبب الحقيقي لفعالية هذه الطرق في العلاج يرجع إلى “المغناطيسية الحيوانية”، حيث ادعى أن هناك مادة مغناطيسية غامضة تنتقل من يد المعالج إلى جسد المريض.
إن طريقة الطبيب النمساوي هي ببساطة طريقة التنويم المغناطيسي والذي سمي في عصره “المسيمرية” نسبة إلى لقبه “ميسمر”، وقد حاول الأطباء وقتها تفسير تأثير هذه الطرق في العلاج وأرجعوها إلى الإيحاء الذي يبثه الطبيب في نفوس المرضى بتوظيف القوى الداخلية للعقل الباطن.
والواقع أن لعملية الشفاء توجهاً عقلياً وتوجهاً داخلياً إيمانياً، حيث إن الشفاء يرجع إلى التوقع الواثق الذي يقوم بدور الإيحاء القوي للعقل الباطن لإطلاق قوة الشفاء الكامنة في داخله. ولعل ذلك يتسق مع ما أشار إليه “باراسيلسوس” وهو طبيب سويسري قدير؛ فقد أشار إلى أن الباعث للإيمان سواء أكان حقيقياً أم غير حقيقي فإن له التأثير نفسه، فالإيمان يحقق المعجزات، سواء كان صادقاً أم مزيفاً.
وهذه الأفكار توافق أفكار “بيترو بومبنازي” وهو فيلسوف إيطالي معروف، حيث أشار في بعض كتاباته إلى أننا يمكن أن ندرك بسهولة التأثيرات الإيجابية العجيبة التي تحدثها الثقة في الأطباء، خاصة عندما تكون تلك الثقة متبادلة بين المريض الخاضع للتأثير، والمعالج الذي يُحدث ذلك التأثير. إن الوسائل الغريبة وغير التقليدية التي يدعي بعض المعالجين أنها السبب في الشفاء ما هي إلا أقنعة مزيفة لا تحقق شيئاً، وإنما الشفاء في الإيمان والثقة المطلقة في واهبه.
إن أماكن الاستشفاء في العالم تقدم نماذج غريبة لمعتقدات أغرب تعكس إيمان الناس وقناعاتهم في وسائل الشفاء المختلفة؛ ففي اليابان مثلاً يعتقد بعض الناس أنهم إذا قاموا بطقوس معينة وقدموا القرابين في بعض دور العبادة؛ فإن الشفاء سيتحقق لهم، وبالطبع ليس للقرابين علاقة؛ وإنما هو الإيمان الداخلي بقدرة الله تعالى أولاً وأخيراً؛ فهو السبب الحقيقي الذي يهب الشفاء لمبتغيه.
إن الإيمان هو التسليم المطلق بصحة ما ترفضه الحواس وينكره التفكير المنطقي، وهو ما يقف بمعزل عن العقل الواعي وحدوده، مع اعتماد كلي على القوى الداخلية للإنسان، والقوى الخارجية للكون، وقدرة من بسط سلطانه عليهما.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.