نظرة أخرى على الإنفاق العسكري الأمريكي

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "واشنطن بوست" روبرت صامويلسون

 

كلما تقدمت أنا أو أي شخص آخر باقتراح بأننا بحاجة إلى زيادة الإنفاق العسكري الأمريكي، يكون دوماً الرد المدهش من النقاد هو أن الإنفاق العسكري الأمريكي يساوي نفقات الدول الثمانية المجاورة لولايات المتحدة مجتمعة. الحقيقة هي أن هذه الحجة ليس صحيحة بالمرة. ذلك لأن المقارنات العالمية للإنفاق العسكري ليست سليمة لعدة أسباب، أول سبب منها هي السرية، إذ يقول تود هاريسون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “إن ما يتم تدوينه في التقارير ليس هو الإنفاق الحقيقي”. أما السبب الثاني فهو تولي الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية مسئولية ضمان الاستقرار في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، أما بالنظر إلي الصين أو روسيا فإنهما لما تتبنيا أهدافاً مماثلة بعد.
وقد أضاف هاريسون بأن ذلك يزيد من إنفاقنا العسكري ويقلل من إنفاقهم. إذ أن لدينا 10 حاملات طائرات كاملة الحجم لعرض قوتنا العسكرية في الخارج، ولا يوجد بلد آخر يفكر في الاقتراب. إن تحريك كل هذه القوات والدبابات والسفن والطائرات حول العالم لهو أمر مكلف، ففي السنة المالية 2017 استهلك الجيش الأمريكي 98 مليون برميل من النفط بما يعادل 8.8 مليار دولار.
ولا أخفي عليكم سراً حين أقول بأن هناك سبب أخر يجعل الإنفاق العسكري الصيني والروسي أقل، فببساطة جنودهم وبحاريهم يتقاضون أجوراً أقل، في حين أن جنودنا وبحارينا يتقاضون أكثر. كما أن أمريكا تمتاز بجيش تطوعي، وبالنظر إلى التضحيات الشخصية التي يقدمها مجندي الخدمة، فإن أجورهم ومزاياهم الإضافية يجب أن تكون تنافسية لجذب المطلوب من المجندين، في حين أن التكاليف الأقل للصين وروسيا تسمح لهم بشراء المزيد بسعر أقل.

هذا وقد جاء في تقرير عام 2017 من مركز الدفاع الوطني في مؤسسة هيريتيج – مؤسسة بحثية محافظة – أنه بسبب الاختلافات في القوة الشرائية من اقتصاد لآخر، فيمكن لدولتين تحقيق نفس حجم وكفاءة القوة العسكرية عند مستويات إنفاق مختلفة بشكل مثير.
لنكن دقيقين أكثر، دعونا نرى كيف يتم ذلك عملياً. بالرجوع إلى احصائيات سنة 2016، فإن تقرير هيريتيج أقر بأن الإنفاق العسكري للولايات المتحدة منفردة يصل إلى 606 مليار دولار. في حين أنه بلغ مجموع الدول الثمانية التالية لها 606 مليار دولار، وتترأسهم الصين بإجمالي 226 مليار دولار، تليها روسيا 70 مليار دولار، ثم المملكة العربية السعودية 61 مليار دولار. أما الدول الأخرى فكانت فرنسا 56 مليار دولار، الهند 56 مليار دولار، المملكة المتحدة 54 مليار دولار، اليابان 42 مليار دولار، وأخيراً ألمانيا 41 مليار دولار.
هذه هي الطريقة التقليدية التي تستند على التقديرات التي جمعها معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام، والتي تجمع البيانات عن الإنفاق الدفاعي بالعملات المحلية وتحولها إلى دولارات بأسعار الصرف السائدة. لكن هناك طريقة أخرى للتحويل من العملات المحلية إلى الدولار، وهي ما تسمي بتعادل القوة الشرائية. تلك الطريقة التي تعتمد على افتراض أن الأشياء ذات القيم المتساوية في البلدان المختلفة يجب أن يكون لها أسعار متساوية، وعليه فإن وجود طائرتان نفاثتان متماثلتان في دولتين مختلفتين يجب أن تكونا بنفس السعر.
عندما قام خبراء هيريتيج باتباع مبدأ تعادل القوة الشرائية، تضاعف إجمالي الإنفاق العسكري للبلدان الثمانية التالية للولايات المتحدة من 606 مليار دولار إلى 1.1 تريليون دولار. فازداد إنفاق الصين نفسها بنسبة 66% ليصل إلى 376 مليار دولار، وأما روسيا فازداد بنسبة 150% بما يعادل 176 مليار دولار.
إن فكرة الرئيسية هنا هي إن الإنفاق العسكري لأمريكا يعادل الدول السبعة أو الثمانية المجاورة هي فكرة منافية للعقل. فلو أن الأمر كذلك، فإن المتوقع إذاً أن يكون الجيش الأمريكي أكبر بعدة مرات من أي منافس آخر. لكن هذه ليست هي القضية، وإنما القضية الحقيقية هي أن ذلك يعطي بعض المؤشرات المشتركة للقوة العسكرية (الدبابات والطائرات المقاتلة وما شابه).

كما أن هدفنا أرقى من ذلك، ألا وهو دحض الفكر الخاطئ والخطير الذي يروج له الكثيرون بأن هيمنتنا العسكرية كبيرة للغاية بما يسمح بتحمل المزيد من التقليل في النفقات واللجوء إلى تقنيات أفضل، والحقيقة هي أن المميزات قد تقلصت بشكل كبير، وإذا استمر الخبراء على اعتقادهم هذا، فإننا سنتخلف في بعض التكنولوجيات الحديثة المهمة كالحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وبالحديث عن الميزانية الفيدرالية فإن الجيش لم يعد يهيمن عليها كما عهدنا في السابق. فقد تحول هذا الامتياز إلى فوائد تضاف إلي امتيازات العلاج والتقاعد. خلال الحرب الباردة – من 1950 إلى 1990 – بلغ متوسط ??الإنفاق العسكري 40% من الإنفاق الفيدرالي و 7.4% من الناتج الكلي للاقتصاد المحلي. أما الآن فإن هذه الأرقام تمثل 15% و 3.13% فقط وفقاً لتقرير أصدره مؤخراً مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وشارك فيه كلاً من هاريسون وسيمس دانيلز.
كل ذلك بالإضافة إلى أننا قد تعلمنا من تجربتنا في العراق وأفغانستان بأن القوة العسكرية لها حدود، وأن الإنفاق الأكبر ليس هو الطريق للنصر، ولكن عدمه كفيل بتحقيق الهزيمة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.