التقادم لا يُشرّع احتلالاً

الإفتتاحية

التقادم لا يُشرّع احتلالاً

لم تكن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدعم ضم هضبة الجولان السورية المحتلة منذ العام 1967 إلى “إسرائيل”، غريبة، وهي إن كانت تعكس الانحياز الثابت بصف “الكيان”، لكنها تفتقد لأي منطق إلا القوة، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها قد أيدت القرار “242” الصادر عن مجلس الأمن الدولي في العام 1967، والذي يرفض احتلال الجولان ويؤكد على ضرورة إعادته إلى سوريا، وتكرر ذات الحال في أكثر من مناسبة سواء في العام 1973 أو 1981، والأخير يحمل الرقم 497 وتم التصويت عليه ضد قرار الكيان المحتل يومها بضم الجولان.
ما حصل مع القدس الشرقية، يتكرر اليوم مع قضية الجولان، لكن هذه المخالفة لقرارات الشرعية الدولية، لا يمكن أن تكون مقبولة تحت أي ظرف أو مبرر، فلا أحد يحق له أن يمنح أرضاً ليست له، ولا يجوز أن تكون الحجج الزائفة من قبيل الأمن مبرراً لهكذا نهج جديد في السياسة التي يمكن أن تؤسس لعهد جديد يشرع الاتكال على القوة وفرض سياسات الأمر الواقع، مع العلم أن العديد من الرؤساء الأمريكيين قد قاموا بوساطات ومحاولات عديدة لتحقيق السلام الشامل الذي يقوم على إعادة الحق لأصحابه، وأكدوا أن الجولان أرضاً سورية، وكانت تلك المحاولات قد بدأت تأخذ الزخم في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، ثم في عهد الرئيس “الديمقراطي” أيضاً بيل كلينتون، والتي كادت أن تصل لاتفاق حول الانسحاب “الإسرائيلي”، إلا أن خلافات بسيطة قد أنهت تلك المساعي بدون تقدم.
لا يمكن القبول باحتلال أي متر من الأرض العربية، لأن السلام والاستقرار العالميين لا يمكن أن يقوما على احتلال أراضي الغير أو تشريعها، والأراضي ملك لأوطان وشعوب وأجيال ووحدة دول، وليست مباحة ليستقوي عليها كل شخص يستغل ظرفاً معيناً ويستولي عليها.
مهما استمر الاحتلال فلا يمكن أن يكون هناك تسليم بنواياه ومراميه، وأراضي الدول ليست رهناً بظرف آني، بل حقاً دائماً لا يجوز لأحد التنازل عنه، ولا يحق لأحد احتلاله والسيطرة عليه بالقوة، ولا يملك أي طرف أن يمنحه وكأنه ملك خاص لأي جهة كانت.. فشريعة الأمم المتحدة الموجودة أصلاً لحماية الدول والشعوب وتنظيم العلاقات بينها، لا تجيز الاحتلال وترفض انتهاك سيادة أي دولة، ولاشك أن أكبر انتهاك لسيادة أي دولة هو أن يستولي الغير على جزء من أراضيها، لأن هذا سوف يكون مهدداً لأي استقرار يتم الحديث عنه وقد يدفع باتجاه وقوع حروب، مع ما ينتج عنها جراء الإخلال بالقانون الدولي الذي يرفض منح أي شرعية لأي احتلال كان.. وهذا ما ينطبق على الجولان، فبقاء الاحتلال 52 عاماً في الهضبة غير مبرر لسلخ أي متر منه أو العمل على جعل هذا الانتهاك قاعدة عامة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.