نيوزيلندا حظرت البنادق… وأميركا؟

الرئيسية مقالات
فرانسيس ويلكنسون - بالاتفاق مع "بلومبرغ"

 

اتخذت نيوزيلندا قراراً بحظر تداول الأسلحة نصف الآلية في عموم البلاد اعتباراً من الأسبوع الحالي، ويسري الحظر بصفته القانونية على الفور للحيلولة دون تخزين الأسلحة أثناء فترة صياغة التشريع القانوني. ولا تبدو نيوزيلندا معنية بالآمال الكبيرة التي يتبناها الكونغرس الأميركي في أعقاب كل مذبحة مروعة من مذابح إطلاق النار هناك.
وقد حفزت «المسيرة من أجل حياتنا»، التي انبثقت في عام 2018 من رحم مجزرة مدرسة «مارجوري ستونمان دوغلاس» الثانوية في باركلاند بولاية فلوريدا، الشباب في جميع أرجاء البلاد، وألهبت مشاعر المواطنين الأميركيين للتظاهر من أجل سن التشريعات القوية ضد تداول الأسلحة في البلاد. وخلال 6 سنوات فقط، تحولت حركة «الأمهات يطالبن بالتحرك للحماية من الأسلحة في أميركا» إلى قوة ذات زخم سياسي هائل تضم ملايين الأنصار والمؤيدين، بجانب 350 ألف متبرع، فضلاً عن شبكة من النشطاء في كل ولاية أميركية. وبهامش تأييد يبلغ 2 إلى 1 باتت الحركة تسيطر على الحوار الدائر، وتحظى بالمزيد من دعم المواطنين الأميركيين لفرض قوانين أكثر صرامة بشأن تداول الأسلحة من القوانين السارية. (وأقل من واحد من كل عشرة مواطنين أميركيين يؤيدون قوانين أقل صرامة في هذا الصدد).
ولقد أسفرت القوى الناشئة عن نتائج ملموسة حتى الآن. وفقاً لمركز «غيفورد» القانوني لمنع العنف المسلح: «شهدت (حركة الحماية من أخطار الأسلحة) تحولاً جذرياً في عام 2018»، وسجل المركز ما لا يقل عن 67 مسودة تشريعية تحولت إلى قانون يجري العمل به اعتباراً من العام الماضي.
ولم يتوقف الزخم عند هذا الحد: ففي واشنطن، تمكن مجلس النواب بالكونغرس في فبراير (شباط) الماضي، وأعضاؤه من الديمقراطيين الجدد الذين يبذلون جهدهم لسن القوانين المنظمة لتداول الأسلحة، من تمرير قانون للتحقق من الخلفيات الجنائية للأفراد الراغبين في شراء الأسلحة. وتجري حالياً التحقيقات الموسعة في دور «الرابطة الوطنية للبنادق» وأنشطتها السياسية، وعلاقاتها بروسيا داخل الكونغرس، مع موقف الرابطة الدفاعي المثير للتساؤلات.
وفي الأثناء ذاتها، تواصل حكومات الولايات بقيادة الديمقراطيين، اعتماد التشريعات الصارمة لتنظيم تداول الأسلحة النارية. على سبيل المثال، قررت ولاية نيويورك في يناير (كانون الثاني) الماضي حظر حمل الأسلحة على المعلمين في المدارس، ومددت فترة الانتظار على مشتري البنادق الذين لا يتجاوزون اختبار التحقق من الخلفية الجنائية سريعاً، كما سنت قانوناً صارماً يمكن السلطات من وقف مشتريات الأسلحة على المواطنين الذين يشكلون خطراً على أنفسهم أو على الآخرين.
لقد كانت عملية تشريعية استثنائية. ولكنها قد تنهار بأسرها قريباً. وكل ما يتطلبه الأمر لوقف أنشطة «حركة الحماية من أخطار الأسلحة»، وأنصارها بالملايين، هو قرار يصدر من خمسة قضاة أميركيين فقط، أو ربما قاض واحد فحسب.
في الخريف المقبل، سوف تعقد المحكمة العليا الأميركية جلسة استماع بشأن قانون مدينة نيويورك، الغامض، والمفعم بالاستثنائية والخصوصية غير المعتادة، بشأن تنظيم نقل وتداول الأسلحة. ومن الممكن للمحكمة العليا انتهاز هذه الفرصة للإعلان عن الحق الدستوري الكاسح بحمل الأسلحة خارج المنازل – وهو إحدى القضايا ذات الأهمية وغير المسواة بعد حكم المحكمة العليا في عام 2008 بشأن قضية «هيللر» الشهيرة – الذي ضمن بتصويت 5 إلى 4 قضاة حق الأفراد المحدود والغامض للغاية بحمل السلاح خارج المنزل.
وقال آدم وينكلر، بروفسور القانون في «جامعة كاليفورنيا فرع لوس أنجليس»، ومؤلف كتاب «معركة الأسلحة: السجال القانوني بشأن الحق في حمل الأسلحة في الولايات المتحدة»: «يمكن استنزاف زخم (حركة منع العنف المسلح) بسرعة كبيرة للغاية».وفي واقع الأمر، أجل، يمكن ذلك فعلاً.
فلقد أصدرت المحكمة العليا تصريحات مزلزلة بشأن الأسلحة في عام 2008 وعام 2010، وأسست للحق الفردي الأول في حمل الأسلحة، ثم طالبت حكومات الولايات بالاعتراف بهذا الحق عبر التعديل الدستوري الرابع عشر. ثم سجلت المحكمة العليا تراجعاً نوعياً، إذ أحجمت عن مزيد من التعريفات بشأن نطاق التعديل الدستوري الثاني ذي الصلة.

هل يمكن فعلياً حظر حمل وتداول الأسلحة النارية نصف الآلية؟ وهل يضمن التعديل الدستوري الثاني الحق في حمل الأسلحة النارية في الأماكن العامة؟ تخيرت المحكمة العليا عدم التطرق إلى تفسير هذه المسائل ذات الأهمية. وربما تعتزم المحكمة العليا الآن إزالة القوانين المنظمة لحمل وتداول الأسلحة من الساحات السياسية الملتهبة، وإعلان الانتصار – أو ربما سلسلة من الانتصارات – للحركات المؤيدة لحق حمل وتداول الأسلحة في البلاد.
يبدو أن القاضي بريت كافانو، الذي حل محل القاضي أنتوني كينيدي في المحكمة العليا الأميركية، من الأصوات بالغة التشدد فيما يتعلق بحقوق حمل السلاح. ولأنه كان قاضياً في إحدى المحاكم الدورية، فلقد أصدر من قبل حكماً مخالفاً للمألوف في قضية تتعلق بحقوق حمل الأسلحة، الذي كان أثره كاسحاً وشديد الصرامة، لدرجة أنه يمكن كتابته في صدارة مقر «الرابطة الوطنية الأميركية للبنادق». ويبدو أن القضاة المحافظين الآخرين يوافقون السيد كافانو في حملته الشعواء. بيد أن التساؤل الرئيسي يتعلق برئيس المحكمة العليا الأميركية القاضي جون روبرتس.
في حكم متفق عليه صادر في عام 2017 يقضي بتأييد حظر ولاية ميريلاند حمل وتداول الأسلحة الهجومية، أيد القاضي جيه. هارفي ويلكنسون، من محكمة الاستئناف بالدائرة القضائية الرابعة، الموقف المحافظ بشأن التحفظ الشديد في قضايا الأسلحة. وقال القاضي ويلكنسون إن المحاكم الأميركية لا ينبغي عليها أن تحذو حذو العملية السياسية في كل خطواتها المتخذة.
إن حرمان الشعب الأميركي من حقوقه في هذه المسألة المتعلقة بالحياة أو الموت، لهو من أخطر الخطوات المتخذة قاطبة. إنه مجتمعهم هم وليس مجتمعنا نحن. إنها سلامتهم هم وليست سلامتنا نحن. إنها حياتهم هم وليست حياتنا نحن. والقول في أعقاب الكثير من حوادث إطلاق النار المروعة في الكثير من الأماكن بطول البلاد وعرضها أن المواطنين عاجزون تماماً عن الدفاع عن أنفسهم، وأن كل ما يمكنهم فعله هو الوقوف في ذهول والترقب في صمت أثناء محاولة المحاكم الفيدرالية تصميم مصائرهم، فإن من شأن ذلك أن يوجه ضربة قاصمة وشديدة للديمقراطية الأميركية على النحو الذي نعرفه منذ تأسيس هذه الأمة. إعداد “الشرق الأوسط”


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.