العبقري

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

العبقري

 

بكلمات موجزة نصحت كاتبة أمريكية بنات جنسها قائلة: “احذري أن تتزوجي عبقرياً”، فالعبقري من وجهة نظر هذه الكاتبة لا يستقيم على حال، ويختلف تفكيره تماماً عن الآخرين، كما أنه لا يحتمل ثرثرة امرأة أو ضجيج طفل، وهو في الغالب يبني حياته على أساس العزلة والوحدة، إن متعته في العيش مع نفسه وأفكاره، وما يؤرقه أن ينخرط بين الناس.
ومن الأمثلة التي تؤيد ذلك ما عُرف عن “بلزاك” وهو أكبر روائي فرنسي في القرن التاسع عشر؛ فقد عاش لفترة طويلة في بيت دون أثاث، ولكن هذا البيت كان قصراً بالنسبة له، وكان يكتب على جدران بيته أسماء أشهر اللوحات لدافنشي ومايكل أنجلو، وإذا نام على الأرض تخيل نفسه في فراش وثير.
ولم تربط “برنارد شو ” أية علاقة طبيعية بزوجته ولمدة ثلاثين عاماً، وكذلك عالم النفس المشهور “هافلوك إليس”. أما الأديب الروسي “تولستوي” فقد كان أشهرهم، حيث عاش حياة متمردة مع زوجته، وقد رأى فيها سبب مأساته، ويبدو أنها كانت ضحية ما كتب عنها؛ فهجرها الجميع حتى أولادها، وظهرت مقالات كثيرة تهاجمها، وتتهمها بأنها سبب تعاسة زوجها وعذاباته.
إن التركيبة الشخصية للعبقري تركيبة فريدة، ووجهة نظره في الحياة تبدو لبعض الناس غريبة؛ فقد كان تولستوي إقطاعياً كبيراً، ولكنه في الوقت نفسه فنان ومفكر وإنسان مشبع بالإنسانية. وكان يسأل نفسه أسئلة على نحو: لماذا أملك الأرض ويملك آخرين الجوعُ؟ لماذا أحصد ما لم أزرع، وأنعم بما لم أبذل؟ لماذا أستمتع وحدي، وغيري لا يعرف إلا الشقاء؟
كثر أتباع تولستوي، وصار بيته كعبة يقصدها الناس، وهو سعيد بذلك، فكل ما يفكر فيه هو أن يقدم تعاليمه لقاصديه، لقد فتح لهم صدره وأعطاهم بيته ووقته وكل ما يملكه. وهنا ظهر الصراع بينه وبين زوجته؛ فقد كان تفكيرها في الحاضر، وهو لا يرى إلا المستقبل، هي تعيش في عالم الواقع، وهو يعيش في عالم المُثل، هي تؤمن بأسرتها، وهو يؤمن بالمبادئ العليا، هي تريد أن تعرف أسراره وتقتحم عالمه، وهو يريد الحقيقة المطلقة.
استعصى على زوجة تولستوي فهمه وإدراك سمات العبقرية التي تغلف شخصيته؛ فقد كان القلق قرينه الذي لا يفارقه، ويؤرق عليه حياته، فتراه يكتب مسودات كتبه سبع مرات، ويعيد كتابتها كلما قرأها من جديد، كما أن تمرده على واقعه كان ملحوظاً، وزوجته أكثر من عانت من هذا القلق والتمرد.
إن الفهم المستحق للعبقري يؤكد على أنه شخص يعيش لأفكاره بعيداً عن تلك الأشياء الزائفة التي يراها في الحياة.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.