من الأعماق

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

من الأعماق

 

في تجربة مُرة عاشها الكاتب الإنجليزي “أوسكار وايلد” أدخلته السجن وألجأته إلى التأمل الطويل في حياته، وكتب على ضوئها كتابه المتميز “من الأعماق” كشف فيه عن سر محنته، وأعلن مسؤوليته عما أصابه، فقد أورد نفسه موارد الهلاك، حيث لا يستطيع أحد أن يدفعه في تلك الموارد إلا إذا ألقى بنفسه فيها بيده، فأصدر بذلك حكماً قاسياً على نفسه دون شفقة أو رحمة.
عُرف أوسكار وايلد بأنه فنان موهوب، والفنان هو الذي يعيش حياته بعمق، يعيش اليوم الواحد بأكثر من قيمته العادية، لأنه يكتشف الحياة ويمثل إضافة لها، وفي الوقت نفسه يدعو الآخرين لكي يعيشوا الحياة الجميلة التي اكتشفها. ورغم ذلك اعتبر أوسكار وايلد الفن سبب أزمته، حيث أعلن في كتابه أن الشهرة أفقدته السيطرة على نفسه، فقد انقاد للبحث عن اللذة التي انتهت به إلى المأساة. ولا يعني ذلك أن الفن هو السبب؛ وإنما المشكلة هي انجراف وايلد في غفلة من الفنان الأصيل الذي يعيش في نفسه، مما أدى إلى اضطراب مقاييسه ووقوعه في كارثة هدمت حياته بعد ذلك.
كان كتاب وايلد شفافاً رائعاً، اعترف فيه بتجاربه، وأبان ما في أعماق نفسه من خير ونقاء. لقد تعلم وهو وحيد بعيد أن الفكر الصافي والألم العميق هما المنبع الحقيقي لمعرفة الحياة وفهمها، كما عزم ألا يعيش إلا بصحبة الفنانيين، لأنهم يعرفون الجمال الحقيقي للحياة.
ولعل تجربة وايلد تبرز بشكل عميق أن الفنان ليس طفلاً مدللاً، بل على العكس إنه أكثر الناس مسؤولية وأشدهم ألماً. والفنان الصادق يقاوم الضغط دائماً، ويقف منه موقف الفارس من عدوه، يجمع قواه المعنوية، ويغامر وسط المخاطر لكي يقول كلمته في النهاية، وهي إن الذي تعذب أكثر هو الذي يدرك الحياة بشكل أوثق وأعمق. والفنان الموهوب يعي أنه لا حرية مطلقة للفنان ليفعل ما يشاء بدعوى أنه يتمتع بالموهبة، وهو الفهم الخاطئ الذي أصاب كثيراً من الفنانين بالغرور وعدم الالتزام.
إن قلب الموهبة النابض يكمن في الأخلاق، تلك التي تحتضن الإنسان والعالم، وتستوعب الوجود البشري، وتحرص على إشراقه بالمعاني الكبيرة والنبيلة.
والذي يحمل في قلبه معنى الفن الحقيقي، يحمل في الوقت نفسه معنى الحب للحياة، والاحترام الكامل للإنسان، ومهما تعثر الفنان الحقيقي عبر التجارب الصعبة القاسية؛ إلا أنه يتبع ذلك الضوء الذي يشع في داخله في لحظات العذاب، إنه الضوء الذي لاح لأوسكار وايلد وهو في عزلته، حيث أدرك أن الصدق هو جوهر الفن، وجوهر الأخلاق، بل وهو جوهر الحياة.


تعليقات الموقع

  • نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.