التمديد للأزمات

الإفتتاحية

التمديد للأزمات

لا يزال التعويل على الشارع والاعتصامات، طاغياً على المشهد العام سواء في السودان أو الجزائر، وذلك رغم الكم الهائل من ضرورة اللجوء إلى التهدئة والحكمة وملاقاة الشركاء في الوطن بمنتصف الطريق، لكن التمترس خلف مواقف جامدة، قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه وانفراط العقد في الدولتين الشقيقتين وما يعنيه من تعقيد كبير للحل، ويصبح الأمل حينها بأن تتم العودة لمرحلة التفاوض والمشاورات، خاصة أنه في الدول التي تعاني إرثاً كبيراً من الأزمات والمشاكل وتجهد لتأمين اتجاه صحيح للبوصلة، لا يمكن أن يكون الحل فيها وفق مقاس كل من فيها، فالموضوع ليس كسر عظم بين أبناء الوطن الواحد في كل من السودان والجزائر، بقدر ما هو بحث عن حل يجنب الدولتين الشقيقتين المخاطر الناجمة عن استمرار الانقسام فيهما، فالسلبية في التعاطي وغياب الاستعداد لتقديم تنازلات من قبل المعتصمين لا يمكن إلا أن يكون منفذاً للمزيد من المتاهات، فمن يتنازل اليوم قليلاً ويلاقي الطرف الآخر في منتصف الطريق.. لا يتنازل لخصم سياسي ولا لطرف يختلف معه في النظرة للغد، بل ليتعافى وطنه ويستعيد عافيته ويتجاوز عنق الزجاجة، أما الصراخ والتلويح بإشعال الشارع أو نية الدعوة إلى عصيان مدني، فكل هذا آخر ما يصب في مصلحة الوطن، لأن القضايا الثقيلة تحتاج إلى حلول مركبة سواء فيما يتعلق بالاحتياجات العاجلة أو على المدى البعيد، لا تصلب في المواقف وعناد مدمر، وفي النهاية من يرى أنه يمتلك الحل الكامل، لابد أنه واهم وقد انطلت عليه الأمور، فعشرات الملايين من السودانيين والجزائريين يريدون نقلة سلسة وهادئة للسلطة، عبر آلية منطقية وفق الأطر الدستورية التي يؤكد الجميع التزامه بها.
اليوم هناك تحذيرات في البلدين من غياب التعاطي بمسؤولية، وهي واجب على كل مواطن عبر إعلاء مصلحة وطنه فوق الجميع وبعيداً عن المصالح الضيقة أو الحزبية، وهي إذا كانت في الجزائر تأخذ شكل تحذيرات من حدوث عنف أو تدخل من لا يريدون للبلد خيراً، فهي في السودان سرعان ما طغت عليها الشعارات العريضة من قبيل “انقلاب على الثورة” والتلويح بعصيان مفتوح.. كل ما يجري يتم في دولة تعاني الكثير على الصعد كافة، وكأن من سيأتي يمتلك مفتاحاً سحرياً سيجد طريقاً سريعاً لكنوز من الحلول، وهنا لا شك أن أخذ العبر من تجارب مماثلة فيه من التروي والتفكير السليم الكثير.
أي سلطة تأتي وتكون قادرة على حماية الأمن وضمان الاستقرار، فهي تعد للعهد الجديد على اسس قوية وثابتة وقادرة على حمل الكثير، أما من يعتقدون أن الموضوع مجرد شعارات ولابد من تطبيقها، فرجال الدولة لا ينزلون بالمظلات ولا تأتي قراراتهم بالأحلام، بل بالتعاون والاستفادة من كافة الدروس التي أول ما يشترط فيها أن تستند إلى الحكمة والتعقل والوعي لتثمر ما يستفيد منه الجميع وينعكس خيراً على الأوطان المعنية.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.