تركيا من أوهام الهيمنة إلى كابوس الانهيار

الإفتتاحية

 

منذ أن تعرضت عدد من الدول العربية، إلى أحداث كبرى خلال السنوات الأخيرة، تلك التي يسميها البعض تجنياً على كل شيء جميل بـ” الربيع العربي”، اعتقد النظام التركي أن تلك الأحداث فرصة ذهبية لإيصال مرتزقته من جماعة “الإخوان” الإرهابية إلى السلطة في تلك الدول، بالإضافة إلى قضم ونهش ما أمكن من الجوار خاصة في سوريا، وفي سبيل تلك المخططات الجهنمية، كان حال النظام التركي كحال نظيره الإيراني عبر اتباع أساليب تدميرية ودعم الإرهاب والتعويل على المليشيات التي تحاول أن تقدم نفسها باسم الدين، وبالتالي كان الرهان على كل من حمل السلاح، واستقدام المرتزقة من الخارج، فدعمت “داعش” بداية وسهلت عبور عشرات الآلاف من جميع دول العالم إلى سوريا، تلاها تبني “القاعدة” بشكل علني وموثق، وخلال تلك السنوات باتت الكثير من الفصائل تعمل لحساب تركيا وتتسمى بأسمائها وتجهر بولائها لها .. في الوقت الذي باتت تركيا عاجزة كليا عن تمرير مشاريعها في جميع الدول التي حاولت بها ذلك، ابتداء من مصر الشقيقة التي قطعت رأس التآمر المدعوم تركياً وأحبطت مخططها، وانتهاء بسوريا التي يظهر فيها جلياً تحالفات تركيا مع كافة الفرقاء والمتحاربين، ولكن عملياً فإن دورها لن يكون إلا تابعاً للدول الكبرى الفاعلة في سوريا مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.. واليوم غاية تركيا القصوى تقليل الخسائر وتجنب الانهيار على الصعد كافة بما فيها الاقتصادي.
الداخل التركي ليس بأفضل حال، فالليرة التركية تواصل الغرق أمام الدولار، وفي حال وجود سياسات عقيمة وأزمات كبرى يبدو أن علاجها يتم تارة بالصراخ وثانية بكيل الاتهامات، فإن الليرة التركية يمكن أن تعود أشبه بقشة في مهب الريح، واليوم ها هو زيف الديمقراطية المزعومة يعري حزب “العدالة والتنمية” وكافة الحركات الإخوانية، ويؤكد أنها لا يمكن أن تسلم بالديمقراطية إلا عندما تمكنها من الاستيلاء على السلطة، كما حصل في الانتخابات البلدية الأخيرة وفوز المعارضة في اسطنبول وأنقرة، فعندما تأتي نتائج الانتخابات بغير إرادة تلك الأحزاب يصبح من لم يمنحهم ثقته خائناً وقد يتم تكفيره لاحقاً، ويلي ذلك ما بات معروفاً من تشهير وتسويق لادعاءات التزوير والمخالفات وغيره وإيجاد منفذ لإعادتها حتى تأتي على المقاس.
كل هذه السياسات تجعل الغليان الشعبي على أشده، ومن يرى التجمعات الانتخابية التي كانت السلطة التركية تنظمها لتظهر أنها تحتكر التأييد الشعبي، سرعان ما يرى كيف يخسر أردوغان الامتحان الحقيقي عند الاستفتاء، ويدرك الفجوة بين التزوير والحقيقة، ويدرك جلياً أن ما حاول النظام إظهاره ما هو إلا محاولة للتشويش على الواقع والتأثير على الرأي العام عبر الاستعراضات، كما يدرك تماماً كيف أن نظام تركيا يعيش تخبطاً ومرتبكاً ولا يجد طريقة للخروج من أزماته.. ويوقن أن مشاريع التوسع ومحاولة إحياء الأطماع التاريخية التي عفا عليها الزمن قد باتت من الماضي وفشلت مرامي تحقيقها، وانقلب الحلم بالسيطرة.. إلى خوف ورعب من الرفض المتصاعد “داخلياً وخارجياً” كمقدمة للانهيار، والدائرة التي تضيق تباعاً خاصة في الداخل الذي قد يكون صاحب الصفحة الأخيرة من مسلسل طويل بات معروف النهاية.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.