هل أصبحت أمريكا اشتراكية؟

الرئيسية مقالات
خاص بالوطن عن "واشنطن بوست" روبرت سامويلسون

لقد أصبحنا نحن الأمريكيون الآن جميعاً اشتراكيون. لقد عارض المثقفون هذه الفكرة قبل عام 1906، وما حدث في عام 1906 هو أن ويرنر سومبارت -عالم ألماني في علم الاجتماع- قد نشر كتاباً بعنوان “لماذا لا توجد اشتراكية في الولايات المتحدة؟”، فعلى عكس أوروبا، فقد كانت أمريكا معادية للاشتراكية كما يقول سومبارت.
لقد كان الازدهار واحداً من الأسباب التي أضعفت هذا الفكر. لقد تمتع اقتصاد أمريكا ببعض المزايا الطبيعية كالأرض الخصبة، والموارد الوفيرة، والموانئ الجيدة، ولكن السبب الأكبر لذلك كان مقاومة العمال الأميركيين، إذ أن ذلك الهاجس المسمى بالمضي قدماً قد أشعرهم بأن الاشتراكية قد تعيقهم.
كتب سومبارت في كتابه: “أعتقد أن العامل الأمريكي يميل بقلبه للرأسمالية، فهو يحبها ويكرس لها جسده وروحه بالكامل. يريد أن يكسب قدر ما تسمح به قوته وألا يكون مقيداً قدر الإمكان”.
لقد ازداد مصطلح الاشتراكية بشكل كبير بين النقاد والعلماء والمرشحين للرئاسة، حتى أصبحت النتيجة هي الكثير من الملابسات، إذ ينكر العديد من الديمقراطيين أن مقترحاتهم كالرعاية المتوسطة للجميع على سبيل المثال أنها اشتراكية، ويدعي الجمهوريون أنهم يحاولون الاستفادة من معارضة الأميركيين التاريخية.
صحيح أن الاشتراكية القديمة كانت سيئة في العقود الأخيرة، إذ شملت الاشتراكية وفقاً للجدول الزمني السياسي لكارل ماركس امتلاك الحكومة المزيد والمزيد من وسائل الإنتاج كالصناعات بأكملها، كما تصبح مسئولية تحديد ما سيتم إنتاجه وبواسطة من هي مسئولية التخطيط المركزي وليست حالة الأسواق.
عقب الحرب العالمية الثانية ازدهرت الاشتراكية في أوروبا. لقد أضعف الكساد العظيم المشروعات الخاصة، فعلى سبيل المثال فإن بريطانيا العظمى بدأت في عمليات التأميم على نطاق واسع كإنتاج الفحم عام 1946، ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية عام 1947، والسكك الحديدية عام 1948، وشركات إنتاج الصلب عام 1951، وفيما بعد انضمت شركات السيارات الضعيفة إليها.
لقد كانت تلك تجربة غير سارة بالمرة. لقد كتب الاقتصادي مارك ليفنسون في كتابه “وقت غير عادي: نهاية ازدهار ما بعد الحرب وعودة الاقتصاد العادي”: لقد حازت اتحادات الشركات المملوكة للدولة مراراً وتكراراً على زيادة كبيرة في الأجور لا مثيل لها من خلال التحسينات الإنتاجية، لكن الإدارة كانت في حالة من الفوضى؛ إذ أن المديرين التنفيذيين ذوي الخبرات في القطاع الخاص كانوا يترددون في تولي الوظائف الحكومية التي قد حددت فيها الحكومة القرارات الرئيسية بالفعل.
على الجانب الآخر، فقد واجهت بلدان أخرى مشاكل مماثلة ولكن تضاءلت فيها عمليات التأميم وازدادت فيها الخصخصة وهي بيع الشركات المملوكة للدولة، وهنا يستخف الديمقراطيون بفشل الاشتراكية الماركسية والتي يُقال أنها تختلف اختلافاً جوهرياً عما هو مقترح اليوم.
هذا ما يدفعنا إلى الوقوف عند نقطة مهمة ألا وهي أنه صحيح أن الاشتراكية الحديثة -وعلى عكس الاشتراكية القديمة- تتعلق في الغالب بالدول المرفهة، لكن الهدف النهائي مشترك بينهما ألا وهو السيطرة على أكبر قدر ممكن من الاقتصاد من أجل تحقيق التقدم في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية؛ للوصول إلى المفهوم الاشتراكي “من كلٍ حسب قدرته، إلى كلٍ حسب حاجته”.
لقد أدى هذا بالفعل إلى تغييرات ضخمة، ففي العديد من البلدان المتقدمة أصبح الإنفاق الحكومي يشكل ما يقرب من نصف اجمالي الناتج الاقتصادي المحلي. في عام 2017 كانت هذه الأرقام 56% في فرنسا، و 44% في ألمانيا، و 49% في السويد، و 49% في إيطاليا، و 41% في المملكة المتحدة وفقاً لتقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
هنا تشبه تجربة الولايات المتحدة بشكل كبير تجربة البلدان المتقدمة الأخرى، ففي عام 2017 كان إنفاق الحكومة الأمريكية على الميزانيات القومية والمحلية 38% من اجمالي الناتج الاقتصادي المحلي وفقاً لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وإذا تمت إضافة جزء الرعاية الصحية التي لا تمولها الحكومة الآن – والتي تعادل ما يقارب 10% من اجمالي الناتج الاقتصادي المحلي – إلى الإنفاق الحكومي الحالي فإن الولايات المتحدة ستصبح مشابهة للعديد من الدول الأوروبية.
لقد اختلف الأمر قليلاً وربما تماماً عما صرح به سومبارت، فإن الأمريكيون الآن أصبحوا جميعهم اشتراكيون، إذ أنهم يدعمون بشكل كبير برامج الأمن الاجتماعي، والرعاية الطبية، والمعونة الطبية، والتأمين ضد البطالة وغيرها والتي تشكل الحصة الأكبر من الإنفاق الحكومي.
نحن لا نطلق عليها اسم الاشتراكية؛ لأنه بالنظر إلى التاريخ فإن ذلك سيصبح وصمة عار عليهم، ونحن لا نريد أن نفعل ذلك. إنهم يتمتعون بموافقة الشعب لأنهم يقومون بما يتعين عليهم فعله، وبالطبع لديهم الآن الملايين من المستفيدين الذين يسعون لتضخيم نفوذهم السياسية.
كلا الحزبان مدمنان على الاشتراكية، على الرغم من أن الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين. يجب الوضع في الاعتبار أنه لمجرد التشكيك في الانجراف نحو دولة رفاهية أكثر أو اشتراكية غير مريح لا يعني أنه يمكننا الهروب من العواقب المحتملة للسير في هذا الاتجاه.
هل ثقل الإنفاق الحكومي العالي والضرائب والعجز في الميزانية واللوائح يضعف بشكل دائم قدرة الاقتصاد على النمو؟ هل يمكن أن يشير النمو البطيء في أوروبا إلى أن بعض الدول قد وصلت بالفعل إلى حدودها؟ هل يمكن أن تكون أمريكا هي التالية؟ لا زالت هناك العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.