البحث عن المعرفة

الرئيسية مقالات
د. محمد سعيد

البحث عن المعرفة

في لحظة مهمة من لحظات التحول الإنساني في حياة “تولستوي” ألحت عليه لاكتشاف المجهول في هذه الحياة، أراد أن يجد إجابات عن أسئلة ستة وهي: لماذا يعيش؟ ما سبب وجوده ووجود الإنسان؟ ما سبب الخلاف الذي بداخله بين الخير والشر؟ كيف يجب أن يعيش؟ ما الموت؟ كيف يمكنه الوصول إلى النجاة؟. ولقد قادته هذه الأسئلة إلى التفكير في العدالة والظلم، والعذاب والحرمان، والأخلاق والحب، وغيرها من قضايا الحياة. هذا التحول دفع “تولستوي” للخروج من مرحلة الاستقرار الشكلي والهدوء النسبي الذي كان يعيشه إلى حياة القلق والبحث عن المعرفة، إنها حياة لا تعرف الهدوء ولا السكون.
وقصة “تولستوي” تتقارب في مسعاها مع تجربة “بوذا” فيلسوف الهند القديم، والذي نشأ في أسرة ثرية، وكان الوارث الوحيد لها، ويحكي التاريخ أن “بوذا” بدأ في مطلع شبابه بالبحث عن إجابات لأسئلة كبرى في الحياة؛ فقد كان يرى التفاوت الكبير في مجتمعه بين الفقر المدقع والغنى الشديد، ثم يرى المرض والشيخوخة والموت يلتهم البشر . ولم يتستر “بوذا” وراء ثرائه، ولقد حاول والده إخراجه من عوالم القلق والحزن والحيرة، ولكن “بوذا” زهد في ثروة أبيه، ليبحث عن المعرفة، وأخذ يقرأ ويدرس ويبحث ويبث حكمته للناس، ويردد: سعيد كل من رأى الحق، وسعيد كل من خلت نفسه من سوء النية، وكان يلح على ضرورة أن ننتصر على عوامل الفناء في الحياة: الفقر والمرض والشيخوخة والموت.
لقد جعل “بوذا” هدفه الأساسي في الحياة أن يسعى لإراحة المتعبين، وإسعاد المكروبين، وإنزال السكينة على قلوب الذين ناءوا بأعباء الحياة، وتشجيع المستضعفين حينما يشرفون على فقد ثقتهم في أنفسهم. ارتدى “بوذا” أخشن الثياب، وعاش في أفقر الأحياء، وواجه الظلم، وأعلن آراءه بكل قوة، وهاجم أسباب التعاسة، مقتنعاً أن هذه الأسباب من صنع الإنسان وليست الطبيعة أو المصادفة.
وهكذا شقي “بوذا” في حياته بحثاً عن المعرفة، ونشراً لحكمته، ورفضاً لصور الحياة اللطيفة الناعمة، ورغم مشقة الحياة التي عاناها إلا أنه كان دائم الحرص على رسم الابتسامة على وجوه البؤساء، الذين سحقتهم الدنيا بخطوبها وبضرباتها التي لا ترحم.
إن الذين يحملون شعلة المعرفة هم الذين يمهدون للحياة ضروبها، هم أصحاب التأثير الأكبر في حياة الناس، لا ترضيهم السعادة الفردية، ولا المتعة الشخصية، ولا الحياة التقليدية، إنما سعادتهم اليقينية في البحث عن المعرفة، والمغامرة في سبيل الوصول إلى الحقيقة. وإن الألم الذي يعانيه الباحث عن المعرفة يتضاءل بجوار ما يحققه من صلة عميقة بالحياة والعالم.


تعليقات الموقع

نسعد بمشاركتك لنا بتعليقاتك. يرجى العلم بأن تعليقاتكم يتم مراجعتها طبقاً لـ قواعد التعليق على موقع الجريدة.